قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح».1 وأورده ابن خزيمة في صحيحه،2 وأورده ابن حبان في صحيحه،3 وقال ابن سيد الناس: «إسناده صحيح».4 وسكت عنه الإشبيلي،5 وصححه الألباني «23».6
لكن ذكر الفيروز آبادي أنه لم يصح في مسح الأذنين حديث،7 وأشار الدبيان إلى علة زيادة الأذنين.8
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (1/ 86 رقم 36 ت بشار عواد معروف)
2صحيح ابن خزيمة (1/ 114 رقم 148 ت محمد مصطفى الأعظمي)
3صحيح ابن حبان (3/ 367 رقم 1086 ت شعيب الأرناؤوط)
4النفح الشذي (1/ 352)
5الأحكام الوسطى (1/ 169)
6مشكاة المصابيح (1/ 130)
7رسالة في بيان ما لم يثبت فيه حديث من الأبواب (ص 19)
8موسوعة أحكام الطهارة (3/ 73-74 ط الثانية)
تخريج الحديث
رواه الترمذي،1 والنسائي،2 وابن ماجه،3 وابن خزيمة،4 وابن حبان،5 من طرق عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا. وفيه التصريح بمسح الرأس والأذنين ظاهرَهما وباطنَهما، وجاء عند النسائي بيان صفته: «باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه».
ولم ينفرد محمد بن عجلان بذكر الأذنين عن زيد بن أسلم؛ فقد تابعه هشام بن سعد، فرواه أبو داود،6 والبزار،7 والحاكم،8 من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ». وصحح الحاكم هذا الطريق على شرط مسلم.9
وتابع ابنَ عجلان وهشامًا عبدُ العزيز بن محمد الدَّراوردي؛ رواه النسائي،10 من طريق عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ... وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً».
فذكر الأذنين لم يتفرد به ابن عجلان، بل رواه عن زيد بن أسلم ثلاثة: محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وعبد العزيز الدراوردي. وهذه قرينة قوية على أن أصل ذكر الأذنين محفوظ عن زيد، وإن اختلفوا في مقدار التفصيل؛ فابن عجلان حفظ صفة مسح الظاهر والباطن، وهشام والدراوردي حفظا أصل مسحهما.
وخالفهم جماعة عن زيد بن أسلم فلم يذكروا الأذنين؛ منهم سفيان الثوري، وسليمان بن بلال، ومعمر بن راشد، وداود بن قيس، وورقاء بن عمر، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم. وقد اعتمد الدبيان والطريفي على كثرة هؤلاء وأوثقيتهم في إعلال الزيادة.
غير أن هذا الاختلاف لا يظهر لي أنه من قبيل المخالفة التي تقتضي الشذوذ؛ لأن عددًا من الروايات التي لم تذكر الأذنين مختصرة أصلًا، وليست في مقام استيعاب جميع صفة الوضوء. فرواية سفيان الثوري عند البخاري جاءت بلفظ مختصر جدًا: «توضأ النبي ﷺ مرة مرة».11 وجاء عن معمر: أن ابن عباس «توضأ فغسل كل عضو منه غسلة واحدة، ثم ذكر أن النبي ﷺ كان يفعله» وعن داود بن قيس: «أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة».12 فمثل هذه الروايات لا يصح أن تجعل معارضة تفصيلية لمن حفظ صفة عضو بعينه؛ لأنها أسقطت تفاصيل كثيرة غير الأذنين أيضًا.
وأقوى ما يستدل به على الإعلال رواية سليمان بن بلال؛ فقد أخرجها البخاري مطولة، وفيها صفة الوضوء، فقال بعد غسل اليدين: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ» ولم يذكر الأذنين.13 وهذه مخالفة تستحق النظر، لكنها في مقابل ثلاثة من أصحاب زيد رووا ذكر الأذنين، وليست رواية سليمان نافيةً لمسحهما، وإنما سكتت عنهما، والسكوت عن الزيادة غير التصريح بنفيها.
ويؤكد ذلك أن اختلاف الرواة هنا في زيادة فعل، لا في إثبات شيء ونفيه؛ فلم يقل سليمان ولا سفيان: «ولم يمسح أذنيه» وإنما اقتصر بعضهم على مسح الرأس، وزاد غيرهم ما حفظه من مسح الأذنين. ومتى جاءت الزيادة من أكثر من راوٍ عن المدار، ولم تكن مناقضة لما رواه الأوثق، كان حملها على زيادة الحفظ أقرب من الحكم عليها بالشذوذ، ما لم يثبت عن ناقد متقدم أن هذه الزيادة بعينها وهم.
ولهذا يزداد وزن تصحيح الترمذي؛ فإنه لم يكتف بإخراج الحديث، بل قال في نفس طريق ابن عجلان المشتمل على الأذنين: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح»، ثم بنى عليه العمل في مسح ظاهر الأذنين وباطنهما.14 وكذلك أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ثم جاء الحاكم فصحح طريق هشام بن سعد الذي فيه ذكر الأذنين أيضًا. فليس أمامنا تصحيح متأخر لإسناد ظاهر فحسب، بل قبول للزيادة نفسها من أئمة متقدمين وقفوا على طرق الباب.
وأما قول ابن حجر: «أصله عند البخاري بدون ذكر الأذنين».15 فليس حكمًا منه بشذوذ الزيادة، وإنما بيان أن أصل حديث وضوء ابن عباس في الصحيح دون هذه الجملة، ولا يصح تحويل هذه العبارة إلى تضعيف لم يصرح به ابن حجر.
كما أن للمعنى شواهد أخرى في مسح الأذنين من حديث الربيع بنت معوذ، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، وإن كان الكلام هنا منصبًا على خصوص طريق ابن عباس. وقد حسّن الترمذي حديث الربيع في مسح الرأس والأذنين. وهذا يزيد أصل سنة مسح الأذنين ثبوتًا، وإن لم نجعله وحده دليلًا على حفظ كل لفظ في حديث ابن عباس.
وأما ما ذكره الدبيان من أن ثلاثة رووا الزيادة في مقابل جماعة أكثر لم يذكروها، فهو استقراء نافع، لكن الترجيح بالعدد وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من ملاحظة مقدار الرواية: هل هي مختصرة أم مستوعبة، وهل الزيادة تناقض الرواية الأخرى أم تكملها، وهل قبلها النقاد المتقدمون أم أنكروها؟ وهنا عدد من روايات الناقصين مختصرة، والزيادة رواها ثلاثة عن زيد، وقبلها الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وصحح الحاكم طريقًا آخر مشتملًا عليها. لذلك فالحكم بشذوذها عندي أبعد من الحكم بحفظها.
وأما التعليل بأن الأكثر والأوثق لم يذكروا الأذنين، فهو من حيث الصناعة وجه معتبر، لكنه لا يترجح عندي أمام هذه القرائن؛ لأنه يعامل عدم الذكر معاملة المخالفة، مع أن أكثر وجوه عدم الذكر لا تستوعب تفاصيل الوضوء أصلًا، ولأن الزيادة لم يأت بها راوٍ واحد محتمل الوهم، وإنما جاءت من ثلاثة عن زيد بن أسلم.
والذي يظهر أن حديث ابن عباس محفوظ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه، وأن أصل مسح الأذنين محفوظ في هذا الطريق؛ فقد ذكره محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وعبد العزيز الدراوردي، وقبله جماعة من أئمة الحديث المتقدمين، وعلى رأسهم الترمذي الذي حكم على حديث ابن عجلان نفسه بأنه «حسن صحيح». وأما ترك بعض أصحاب زيد لذكر الأذنين فلا يكفي للحكم بالشذوذ، لا سيما مع اختصار كثير من تلك الروايات. فالأقرب الحكم على الحديث بأنه مرفوع صحيح بمجموع طرقه، وزيادة مسح الأذنين محفوظة.
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (1/ 86 رقم 36 ت بشار عواد معروف)
2سنن النسائي (1/ 74 رقم 102)
3سنن ابن ماجه (1/ 151 رقم 439 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4صحيح ابن خزيمة (1/ 114 رقم 148 ت محمد مصطفى الأعظمي)
5صحيح ابن حبان (3/ 367 رقم 1086 ت شعيب الأرناؤوط)
6سنن أبي داود (1/ 81 رقم 137 ت محيي الدين عبد الحميد)
7مسند البزار (11/ 424 رقم 5281 ط مكتبة العلوم والحكم)
8المستدرك على الصحيحين (1/ 247 رقم 521 ت مصطفى عبد القادر عطا)
9المستدرك على الصحيحين (1/ 247 رقم 521 ت مصطفى عبد القادر عطا)
10سنن النسائي (1/ 73 رقم 101)
11صحيح البخاري (1/ 51 رقم 157 ط السلطانية)
12مصنف عبد الرزاق (1/ 41-42 أرقام 126-127 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
13صحيح البخاري (1/ 40 رقم 140 ط السلطانية)
14سنن الترمذي (1/ 86 رقم 36 ت بشار عواد معروف)
15الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 21)
شرح الحديث
(فَغَرَفَ غَرْفَةً) أي أخذ بكفه مقدارًا من الماء مرة واحدة (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ) أي أدار الماء في فمه ثم جذبه بأنفه (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ) أي يروى في هذا الطريق أنه ﷺ جمع بين مسح الرأس والأذنين، وهذه الزيادة هي موضع البحث في ثبوت الحديث (بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ) السباحتان هما الإصبعان اللتان تليان الإبهامين، وتسمَّيان السبابتين، والمعنى أنه أدخلهما في باطن الأذنين فمسحهما (وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ) أي جعل إبهاميه خلف الأذنين أو على ظاهرهما فمسحهما، فتكون السبابتان للداخل والإبهامان للظاهر، وهذه الصفة مشهورة عند الفقهاء، إلا أن ثبوتها من حديث ابن عباس بهذا الطريق محل الخلاف المتقدم.
فوائد الحديث
في الحديث ثبوت مسح الأذنين في الوضوء، وأن السنة مسح ظاهرهما وباطنهما.
وفيه أن مسح الأذنين يكون مع مسح الرأس، وقد جاء في بعض طرق ابن عباس: «مسح برأسه وأذنيه مرة».
وفيه جواز الوضوء مرة مرة، وأن غسل العضو مرة واحدة مجزئ إذا عم الماء ما يجب غسله.
وفيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة.
وفيه من جهة الصناعة الحديثية أن مجرد كون الرواة الذين لم يذكروا زيادة أكثر عددًا لا يكفي للحكم عليها بالشذوذ؛ بل ينظر إلى اختصار الروايات وتفصيلها، وإلى استقلال من روى الزيادة، وإلى قبول النقاد المتقدمين لها.
وفيه أن عدم ذكر الراوي لشيء ليس كنفيه له؛ ولهذا لا تعارض حقيقي بين قول بعضهم: «مسح برأسه»، وقول من زاد: «وأذنيه»، ما دام أصل الرواية يحتمل الاختصار.
وفيه أهمية تقديم أحكام النقاد المتقدمين عند الترجيح؛ فإن الترمذي صحح الحديث بالزيادة نفسها، وأورده ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وصحح الحاكم طريقًا آخر يثبت مسح الأذنين، وهي قرائن قوية لا يصح إهدارها لمجرد الترجيح العددي بين أصحاب زيد بن أسلم.