قوله (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام) اختلف فيه السلف ومن بعدهم، فكرهت طائفة أن يبتدأ أحد منهم بالسلام. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي: أنه كان لا يمر بمسلم، ولا يهودي، ولا نصراني، إلا بدأه بالسلام. وروي عن ابن مسعود وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد: أنهم كانوا يبدءون أهل الذمة بالسلام وقيل لمحمد بن كعب القرظي: إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: نرد عليهم، ولا نبدؤهم. فقال: أما أنا، فلا أرى بأسا أن نبدأهم بالسلام. قيل له: لم؟ قال: لقول الله عز وجل: {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} 1. ومذهب مالك في ذلك، كمذهب عمر بن عبد العزيز. وأجاز ذلك ابن وهب. وقد يحتمل عندي حديث سهيل، أن يكون معنى قوله: “لا تبدؤوهم”. أي: ليس عليكم أن تبدؤوهم، كما تصنعون بالمسلمين، وإذا حمل على هذا، ارتفع الاختلاف. 2.
قوله (وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) أي: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراما لهم واحتراما. وليس معنى ذلك: أنا إذا لقيناهم في طريق واسع أننا نلجئهم إلى حرفه حتى نضيق عليهم؛ لأن ذلك أذى منا لهم من غير سبب، وقد نهينا عن أذاهم.3.