تدليس أبي هريرة
الملخّص
يتناول المقال دعوى تدليس أبي هريرة رضي الله عنه، ويبيّن بطلان الاستدلال بالقول المنسوب إلى شعبة: «أبو هريرة كان يدلس»؛ فإن إسناده ساقط، وفيه الحسن بن عثمان التُّستري المتهم بالكذب. كما يوضح الفرق بين إرسال الصحابة والتدليس المذموم، وأن رواية الصحابي عما لم يسمعه مباشرة من النبي ﷺ لا تقدح في عدالته. ويستدل بأمانة أبي هريرة حين صرّح بأنه تلقى حديث الصيام من الفضل بن عباس، ورجع عن قوله لما بلغه حديث عائشة وأم سلمة. ويخلص المقال إلى أن الطعن في الصحابة لا يقوم على أخبار واهية، وأن التحقيق العلمي يقتضي صحة النقل وسلامة الفهم قبل إصدار الأحكام.
في هذا المقال
- أصل دعوى تدليس أبي هريرة
- تحقيق الرواية المنسوبة إلى شعبة
- احتمال التصحيف بين أبي هريرة وأبي حُرَّة
- الفرق بين إرسال الصحابي والتدليس المذموم
- رواية الصحابة عن التابعين لا تستلزم خلط الأخبار
- أمانة أبي هريرة في بيان مصدر حديثه
- تاريخ التدليس وتطور نقد الأسانيد
- فساد الاحتجاج بالأخبار الساقطة للطعن في الصحابة
- نتيجة التحقيق
أصل دعوى تدليس أبي هريرة
ذكر الذهبي في ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه قولًا منسوبًا إلى شعبة بن الحجاج: «كان أبو هريرة يدلس». ثم قال: «تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه؛ فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول».1
وقد تعلق بعض الطاعنين بهذه العبارة، وجعلوها دليلًا على أن أبا هريرة كان يُخفي من حدثه، ثم نقلوا أحكام المحدثين على التدليس المذموم، وأسقطوها على روايته، وكأن مجرد الاشتراك في الاسم يقتضي الاشتراك في الحقيقة والحكم! وممن سلك هذا المسلك محمود أبو رية في كتابه «أضواء على السنة المحمدية»، إذ استدل بالكلمة المنسوبة إلى شعبة، ثم ساق كلام العلماء في ذم التدليس، ليجعل ذلك مدخلًا إلى الطعن في أبي هريرة رضي الله عنه.
وهذا استدلال فاسد من جهتين: إحداهما أن الكلمة لا تثبت عن شعبة أصلًا، والأخرى أن إسقاط الصحابي الواسطة في روايته عن النبي ﷺ لا يأخذ حكم التدليس المذموم بمجرد مشابهته له في الصورة. ومن جمع بين رواية ساقطة وفهم فاسد، ثم بنى عليهما طعنًا في صحابي، فقد أخطأ في النقل والاستدلال جميعًا؛ لأن ثبوت الكلام يسبق البحث في معناه، ولا يصح أن يُجعل تفسير اللفظ عوضًا عن إثبات نسبته إلى قائله.
تحقيق الرواية المنسوبة إلى شعبة
أخرج ابن عدي الخبر من طريق الحسن بن عثمان التُّسْتَرِي، عن سلمة بن شبيب، عن شعبة، أنه قال: «أبو هريرة كان يدلس».2 وأخرجه ابن عساكر من طريق ابن عدي، عن الحسن بن عثمان التُّسْتَرِي، عن سلمة بن حبيب، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: سمعت شعبة يقول: «أبو هريرة كان يدلس».3 وقد ظهر من مقابلة الطريقين سقوط ذكر يزيد بن هارون في مطبوع «الكامل»، كما وقع اختلاف في اسم سلمة بين الروايتين.
وهذه أمور تستوجب تحرير الإسناد ومقابلة نسخه، لكن العلة التي يُرد بها الخبر لا تتوقف على هذا الاختلاف، وإنما هي في الحسن بن عثمان التُّسْتَرِي، راوي الخبر، وهو الحسن بن عثمان بن زياد بن حكيم، أبو سعيد، وقد جرحه ابن عدي نفسه جرحًا شديدًا، فقال: «كان عندي يضع، ويسرق حديث الناس». ونقل عن عبدان الأهوازي قوله فيه: «هو كذاب».4
فكيف يُحتج برواية رجل اتُّهم بالكذب في إثبات جرح لصحابي من أصحاب رسول الله ﷺ؟! وهل صار قول المتهم بالكذب حجة إذا كان في الطعن، ولم يعد كذلك إذا كان في الفضائل؟! إن الخبر لا يصح بمجرد موافقته لرأي صاحبه، كما لا يضعف لمجرد مخالفته له؛ وإنما يُعرف ثبوته بالنظر في سنده وعلله.
والعجيب أن بعض من يتشدد في أخبار أبي هريرة الثابتة في دواوين السنة يتساهل في هذه الرواية، مع أن الطريق الذي جاءت منه ساقط، وراويها قد اتهمه من أخرج خبره! وهذا من قلب موازين النقد؛ إذ يُطلب في أخبار الصحابي ما لا يُطلب في الخبر الذي يُراد الطعن به عليه، ويصير ميزان القبول والرد تابعًا للنتيجة المطلوبة، لا لقواعد الرواية. ومن كان هذا منهجه، فليس بحثه عن صحة الخبر سابقًا على اعتقاده، وإنما اعتقاده سابق على بحثه عن الخبر.
احتمال التصحيف بين أبي هريرة وأبي حُرَّة
وقد ذهب المعلمي إلى احتمال وقوع تصحيف في هذه الكلمة، وأن يكون الأصل فيها «أبو حُرَّة»، فتحرفت إلى «أبو هريرة»، وأبو حُرَّة معروف بالتدليس. قال المعلمي: «ويقع في ظني إن كان السند صحيحًا أنه وقع فيها تحريف، فقد يكون الأصل أبو حرة، فتحرفت على بعضهم فقرأها أبو هريرة».5 وهذا احتمال له وجه من جهة تقارب الاسمين في الرسم، لكنه لا يبلغ مرتبة الإثبات بمجرده؛ فإن احتمال التصحيف شيء، والجزم بوقوعه شيء آخر، ولا يصح أن يُجعل الممكن واقعًا إلا بقرينة تدل عليه.
ثم إن الحكم على الرواية لا يحتاج إلى الجزم بهذا التصحيف، وقد ظهر ضعفها من جهة إسنادها؛ فالعلة الثابتة أولى بالاعتماد من الاحتمال الذي لا يتوقف عليه الحكم. ومن دقة النقد أن يُفصل بين ما ثبت وما احتُمل، وألا يُشتغل بتعيين وجه الخطأ في المتن بعد ظهور ما يُسقط الخبر من أصله، إلا لفائدة علمية زائدة. فليس المطلوب إثبات أن شعبة أراد أبا حُرَّة، وإنما المطلوب أولًا إثبات أنه قال هذه الكلمة، وهذا ما لم يصح.
الفرق بين إرسال الصحابي والتدليس المذموم
التدليس في اصطلاح المحدثين أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع ويوهم الاتصال، وله صور وأحكام تختلف باختلاف حال الراوي وطرائق روايته. وقد يكون الغرض منه إخفاء راوٍ ضعيف، أو طلب علو الإسناد، أو غير ذلك، ولهذا لم يجعل المحدثون جميع المدلسين في مرتبة واحدة، وإنما نظروا في مقدار تدليسهم، وأحوال شيوخهم، وما تدل عليه القرائن في رواياتهم. أما إرسال الصحابي فهو أن يروي عن النبي ﷺ خبرًا لم يسمعه منه مباشرة، وإنما بلغه بواسطة أسقطها من الإسناد، وهذه صورة تشبه التدليس من جهة عدم ذكر الواسطة، لكنها تختلف عنه من جهة الحكم؛ لأن الصحابة عدول، والأصل الغالب في هذا الباب أن يكون الصحابي قد تلقى الخبر عن صحابي آخر. ومن الخطأ أن تُجعل المشابهة في صورة الإسناد دليلًا على اتحاد الحكم، فإن الأحكام لا تتعلق بالألفاظ وحدها، وإنما بحقائقها وعللها.
وقد كان ابن عباس وأنس وغيرهما من صغار الصحابة رضي الله عنهم يروون عن النبي ﷺ أخبارًا لم يشهدوا وقائعها، أو لم يسمعوا ألفاظها منه مباشرة، ولم يجعل المحدثون ذلك طعنًا في عدالتهم، ولا سببًا لرد رواياتهم. ولهذا جرى جمهور أهل الحديث على قبول مراسيل الصحابة، وإن كان بحث الواسطة في بعض الصور له تفصيله؛ فليس قبولها مبنيًّا على أن الصحابي لا يمكن أن يروي عن غير صحابي، وإنما على ما تقرر من عدالة الصحابة وغلبة تلقي بعضهم عن بعض في الأخبار المرفوعة. قال الزركشي بعد ذكر الكلمة المنسوبة إلى شعبة: «فإنما أراد به إسقاط الواسطة بينه وبين النبي ﷺ في بعض الأحيان»، ثم قال: «ولا ينبغي إطلاق مثل هذه العبارة في حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما ذلك إرسال».6 وقال ابن حجر: «واعلم أن التعريف الذي ذكرناه للمرسل ينطبق على ما يرويه الصحابة عن النبي ﷺ مما لم يسمعوه منه، وإنما لم يطلقوا عليه اسم التدليس أدبًا»، ثم قال: «والصواب ما عليه الجمهور من الأدب في عدم إطلاق ذلك».7
وهذا من دقة المحدثين في التفريق بين الألفاظ ومعانيها؛ فإنهم لم يجعلوا كل حذف للواسطة موجبًا للجرح، ولا كل رواية بغير تصريح بالسماع دليلًا على الخيانة، وإنما نظروا في حقيقة الرواية وحال صاحبها. ومن أعظم الخطأ أن يُنقل اصطلاح من باب إلى آخر، ثم تُسقط عليه أحكام لا تتعلق به؛ فالألفاظ قد تتشابه، لكن علل الأحكام تختلف، ولا يجوز أن يُجعل التشابه اللفظي سببًا لإلغاء الفروق العلمية. ولو كان كل صحابي روى خبرًا لم يسمعه بنفسه من النبي ﷺ متهمًا بالتدليس المذموم، للزم الطعن في روايات جماعة من الصحابة، وهذا ما لم يقل به أئمة الحديث.
رواية الصحابة عن التابعين لا تستلزم خلط الأخبار
ومن المسائل التي ينبغي تحريرها أن القول بعدالة الصحابة وقبول مراسيلهم لا يستلزم نفي روايتهم عن التابعين مطلقًا؛ فقد وقع أن روى بعض الصحابة عن بعض التابعين، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، وإن كان قليلًا بالنسبة إلى روايتهم عن نظرائهم. قال الذهبي في ترجمة كعب الأحبار: «حدث عنه أبو هريرة، ومعاوية، وابن عباس، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي، وهو نادر عزيز».8 لكن ثبوت رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار لا يقتضي أنه كان ينسب إلى النبي ﷺ ما أخذه عن كعب؛ فإن الرواية عن التابعي شيء، ورفع كلامه إلى النبي ﷺ شيء آخر، ولا يجوز إثبات الثاني بمجرد ثبوت الأول. فالصحابي قد يروي عن تابعي خبرًا من أخبار الأمم الماضية، كما قد يروي عنه غير ذلك من العلم، ولا يكون مجرد تلقيه عنه دليلًا على أنه خلط مصدر الخبر أو أخفى راويه.
ومن أراد أن يثبت أن أبا هريرة نسب إلى النبي ﷺ خبرًا أخذه عن كعب، فعليه أن يأتي بالخبر المعين، ويثبت مصدره، ويبين وجه الخطأ فيه؛ أما أن يُجعل مجرد اجتماعه بكعب وروايته عنه دليلًا على خلط الأحاديث النبوية بالإسرائيليات، فهذه دعوى لا تقوم عليها بينة. ومن أصول العدل ألا يُنقل الحكم من الإمكان إلى الوقوع بغير دليل، فإن إمكان الخطأ لا يثبت حصوله، كما أن احتمال الرواية عن تابعي لا يثبت أن كل واسطة محذوفة تابعي. ولا يصح أن يُجعل ما هو ثابت من رواية الأكابر عن الأصاغر أصلًا للطعن في أمانة الصحابي؛ فإن العلم يُبنى على الوقائع المحققة، لا على الظنون التي يُراد بها إثبات تهم سابقة.
أمانة أبي هريرة في بيان مصدر حديثه
ومن أظهر ما يدل على أمانة أبي هريرة رضي الله عنه وتحريه في الرواية ما وقع له في مسألة صوم من أصبح جنبًا؛ فقد كان يقول: (من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم)، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن الحارث، فسأل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فأخبرتاه أن النبي ﷺ (كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم). فلما بلغ أبا هريرة قولهما لم يُكابر، ولم يجعل كثرة روايته أو منزلته بين الصحابة مانعًا من قبول ما عندهما، بل قال: «هما أعلم»، ثم صرّح بمصدر خبره فقال: «سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ»، قال الراوي: «فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك».9
وفي هذه الواقعة من الدلالة على أمانته ما يغني عن كثير من الجدل؛ فإنه لما احتيج إلى بيان مصدر الخبر ذكره، ولم يدع سماعًا لم يقع، ولما ظهر له ما هو أرجح من قوله رجع إليه، ولم يمنعه أن يكون من أكثر الصحابة حديثًا من الاعتراف بأن عائشة وأم سلمة أعلم منه بهذه المسألة. وهكذا يكون العالم الصادق؛ لا يرى في الرجوع عن الخطأ سقوطًا لمنزلته، وإنما يرى في الإصرار عليه سقوطًا من الحق. ومن جعل رجوع أبي هريرة طعنًا فيه فقد قلب موضع المدح ذمًّا؛ لأن من أخفى مصدر خبره عند الحاجة إلى بيانه يُذم، ومن صرح به يُمدح، ومن عاند الدليل يُلام، ومن رجع إليه يُحمد. فكيف يُجعل فعله الذي يدل على الأمانة شاهدًا على خلافها؟! إن الهوى إذا حكم على الأخبار جعل فضائل الرجل نقائص، وأقام عليه الحجة بما هو حجة له.
تاريخ التدليس وتطور نقد الأسانيد
ومن الخطأ أن يُجعل التدليس المذموم الذي تكلم فيه أئمة النقد عن بعض الرواة في عصور التابعين ومن بعدهم وصفًا لطرائق الصحابة في نقل السنة؛ فإن تاريخ الرواية وتطور اصطلاحاتها له أثر في فهم أحكامها. وقد روى مسلم عن محمد بن سيرين أنه قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».10 وهذا يدل على أن العناية بالسؤال عن الرجال والتمييز بينهم اشتدت بعد ظهور الفتن والأهواء، حين احتيج إلى مزيد من التثبت من مصادر الأخبار، وصار من الرواة من يُخشى أن ينقل ما لا يصح أو يتعمد نسبة ما لم يثبت إلى من لم يقله.
وقد قال القاضي عياض في الكلام على التدليس: «وقد كان هذا من عصر التابعين إلى هلم جرا»، وذكر وقوعه من جماعة من الأئمة، واختلاف أحكامه باختلاف مقاصد أصحابه وأحوال رواياتهم.11 وليس معنى ذلك أن إسقاط الواسطة لم يقع قبل التابعين، وإنما المقصود أن التدليس الذي صار موضع بحث في أحوال الرواة، والتحذير من بعض صوره، واشتراط التصريح بالسماع عند الحاجة، اتسع الكلام فيه في عصور التابعين ومن بعدهم. فثمة فرق بين وقوع صورة من صور الرواية، وبين نشوء اصطلاح نقدي تترتب عليه أحكام تتعلق بأحوال الرجال واتصال الأسانيد. ومن أغفل هذا الفرق حاكم روايات الصحابة بأحكام وضعت لمعالجة علل ظهرت في روايات غيرهم، ثم جعل اختلاف الأزمنة والأحوال كأنه لا أثر له في الحكم، مع أن معرفة أحوال الرواة من أصول هذا العلم.
فساد الاحتجاج بالأخبار الساقطة للطعن في الصحابة
ليست العلة في هذه الشبهة مجرد الخطأ في تعريف التدليس، وإنما وراءها خلل في ترتيب الاستدلال؛ فإن الباحث إذا أراد أن ينسب جرحًا إلى إمام من أئمة الحديث، وجب عليه أولًا أن يثبت صحة النقل عنه، ثم يعرف مراده من عبارته، ثم ينظر في انطباق حكمه على من قيل فيه. أما أن يُنقل قول لا يصح إسناده، ثم يُحمل على أشد معانيه، ثم يُستخرج منه حكم على صحابي، فذلك بناء دعوى على أخرى، وكل واحدة منهما تحتاج إلى دليل لم يُقم. ولا يصح أن يُجعل كلام الناقد حجة قبل ثبوته، كما لا يصح أن يُجعل اللفظ الثابت دليلًا على معنى لم يرده قائله؛ فإن صحة النقل وصحة الفهم أصلان لا يستغني أحدهما عن الآخر.
والعجيب أن بعض الطاعنين يطالبون بأصح الأسانيد عند ذكر فضائل الصحابة، ثم يقبلون رواية متهم بالكذب إذا وجدوا فيها مدخلًا للطعن عليهم! وهذا ليس تشددًا في النقد، وإنما اختلاف في الميزان؛ فإن كان خبر المتهم بالكذب مردودًا، فهو مردود في الفضائل والمثالب جميعًا، وإن كانت عدالة الراوي تُعتبر في قبول خبره، فلا يجوز إسقاط هذا الشرط حين يكون الخبر موافقًا للهوى. ومن أعظم ما يُفسد العلم أن تتغير قواعد قبول الأخبار بتغير الأشخاص الذين تتعلق بهم؛ فيُشدد على قوم بما لا يُشدد به على غيرهم، ويُتسامح في حق آخرين بما لا يُتسامح به في سواهم. والعدل في الرواية ألا يُقبل الخبر إلا بحجته، وألا يُرد إلا بعلة، فلا تتقدم المحبة على الدليل، ولا البغضاء على الإنصاف.
نتيجة التحقيق
يتبين من مجموع ما تقدم أن الكلمة المنسوبة إلى شعبة بن الحجاج: «أبو هريرة كان يدلس» لا تثبت عنه؛ لأن الطريق الذي وردت منه يدور على الحسن بن عثمان التُّسْتَرِي، وهو متهم بالكذب، وقد جرحه ابن عدي نفسه جرحًا شديدًا. وعلى فرض ثبوت أصل الكلمة، فلا يصح حملها على التدليس المذموم بمجرد إطلاق هذا اللفظ؛ لأن إسقاط الصحابي الواسطة في بعض الأخبار التي يرويها عن النبي ﷺ يُبحث في باب مراسيل الصحابة، وقد قبلها جمهور المحدثين، وفرقوا بينها وبين تدليس من يُخشى أن يكون قد أسقط راويا ضعيفًا. كما أن ثبوت رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار وغيره من التابعين لا يثبت أنه كان ينسب أخبارهم إلى النبي ﷺ، ولا يجوز الانتقال من مجرد احتمال الواسطة إلى اتهامه بإخفائها أو خلط الأخبار بغير دليل. وقد ثبت من فعله في مسألة الصوم أنه كان يُبين مصدر خبره عند الحاجة، ويرجع عما ظهر له خلافه، وهذه من دلائل أمانته وتحريه، لا مما يُطعن به عليه.
وأبو هريرة رضي الله عنه لا يحتاج إلى رواية ساقطة تُدفع عنه حتى تثبت عدالته، وإنما الذي يحتاج إلى الحجة من أراد إسقاطها؛ فالطعن دعوى، والدعوى لا تصير حقًّا بكثرة تردادها، ولا تثبت بمجرد العثور على لفظ يُوهم معناها. ومن أعظم الجناية على العلم أن يُجعل الضعيف حجة على الثابت، والمحتمل حاكمًا على المحقق، وأن يُقدَّم سوء الظن على ما تقرر من الأصول. فإن الصحابة هم الذين حملوا السنة إلى الأمة، والطعن في أمانتهم بغير بينة ليس جرحًا لأفرادهم فحسب، بل هو طعن في الطريق الذي وصل به كثير من الدين، ولهذا كان الواجب في البحث عن أخبارهم مزيد التثبت والعدل، لا التساهل في قبول ما يقدح فيهم.
وإن أخطر ما يصيب الباحث أن يصبح انتصاره لرأيه أحب إليه من ظهور الحق؛ فيشتد في رد ما يخالفه، ويتساهل في قبول ما يوافقه، حتى لا يبقى للدليل سلطان على قوله، وإنما يصير قوله سلطانًا على الدليل. وعلم الحديث إنما قام على خلاف هذا المسلك؛ فما ثبت قُبل، وما لم يثبت رُد، ولا يُعرف الصحيح بأهواء الرجال، وإنما يُعرف الرجال بقدر موافقتهم للحق. ومن أراد نصرة السنة فلا ينصرها بالهوى، ومن أراد نقد رواتها فلا ينقدهم بالظنون؛ فإن العدل لا يتجزأ، والباطل لا يصير حقًّا إذا صُوِّب إلى من يُبغضه الإنسان.