تخريج حديث 1310: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ.»
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ :
الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ.”
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ :
الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ.”
رواه الطيالسي «974».1 وأحمد «20298».2 وعبد بن حميد «402».3 ومسلم «2948».4 والترمذي «2201».5 وابن ماجه «3985».6 عن المعلى بن زياد رده إلى معاوية بن قرة رده إلى معقل بن يسار رفعه.
المعلى بن زياد صدوق، ولم يتفرد به تابعه منصور بن زاذان، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار رفعه.7 والحديث ذكره ابن عدي في ترجمة المعلى ولم ينكره عليه، بل قال :«معلى بن زياد هذا له أحاديث على ما ذكرت، وهو أحد ممن يعد من زهاد الشيوخ في البصرة، ولا أرى برواياته بأسا، ولا أدري من أين قال ابن معين لا يكتب حديثه، وهو عندي لا بأس به».8
لفظ أحمد :«العمل في الهرج..».9 وفي لفظ آخر :«العبادة في الفتنة..».10 والمعنى واحد.
(العبادة في الهرج) العبادة زمن الفتن واضطراب الناس واختلاط الأمور وكثرة القتل والشر (كهجرة إلي) في عظم الأجر والفضل، لأنها عبادة في وقت يغفل فيه الناس وينصرفون إلى الفتن، كما أن الهجرة إلى النبي ﷺ كانت تركًا للمألوف وفرارًا بالدين ونصرة للحق.
في الحديث أن قدر العبادة يعظم إذا عظمت الغفلة حولها، فالمصلي بين اللاهين، والذاكر بين الغافلين، والثابت على السنة عند اضطراب الناس، ليس كمن عبد الله في زمن عافية وسكون. ومن فقه الحديث أن المؤمن لا يذوب في ضجيج الفتن، ولا يجعل أخبار الناس وخصوماتهم تأكل قلبه ووقته، بل يفر إلى الله بالعبادة؛ فإن الفتنة إذا عمّت كان النجاة في لزوم الطاعة، لا في كثرة الكلام.
في زمن الهرج لا يكون أعبد الناس أكثرهم كلاما عن الفتن، بل أكثرهم فرارا إلى الله منها. فالفتنة إذا أقبلت خطفت القلوب قبل الأجساد؛ تشغل هذا بالأخبار، وهذا بالخصومات، وهذا بالتحليلات، وهذا بتتبع الدماء والفضائح، ثم يظن أنه قائم بالحق وهو قد ترك ورده وصلاته وخشوعه وذكره.
وزماننا داخل في معنى الحديث من وجوه ظاهرة: كثرة القتل، واضطراب الأخبار، وانتشار الشبهات، وسرعة انتقال الفتن إلى البيوت والهواتف، وغلبة الغفلة، حتى صار من يحافظ على قلبه وعبادته كأنه يسبح عكس التيار. فمن ثبت على الصلاة، والقرآن، والذكر، وغض البصر، وترك فضول الأخبار والخصومات، فقد هاجر بقلبه من ضجيج الفتنة إلى الله.
وليس معنى الحديث اعتزال واجب البيان أو ترك نصرة الحق، ولكن معناه أن لا تتحول الفتنة إلى إله صغير يأكل وقتك وقلبك. من لم تزده الفتن عبادة، زادته قسوة. ومن لم تدفعه الأخبار إلى السجود، دفعته إلى الجدل. والموفق في الهرج ليس من عرف كل خبر، بل من خرج من الفتنة بدين لم ينقص، وقلب لم يحترق، وعبادة لم تنقطع.