تخريج حديث 1407: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ.»
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ.”
(مَاءُ زَمْزَمَ) الماء المعروف بمكة عند البيت الحرام، وقد ثبت عن النبي ﷺ وصفه بالبركة وأنه «طعام طعم»، (لِمَا شُرِبَ لَهُ) ظاهر اللفظ أن انتفاع الشارب به يكون بحسب المقصد الذي شربه لأجله؛ فمن شربه راجيًا الشفاء أو الشبع أو غير ذلك من الخير رجا حصول مقصوده بإذن الله، وقد جاء تفسير هذا المعنى محفوظًا من قول مجاهد: «إن شربته تريد الشفاء شفاك الله، وإن شربته تريد أن يقطع ظمأك قطعه، وإن شربته تريد أن تشبعك أشبعتك».1 لكن هذا العموم بهذا اللفظ لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ على الراجح، فلا ينسب إليه بصيغة الجزم، وأما بركة زمزم وكونها طعامًا فثابتان بالنص الصحيح.2
الحديث ضعيف، وعلى القول بصحته، يقي أنه قد يستشكل أصل الخبر بأن أهل مكة لم يزالوا يحتاجون إلى الطعام ولا يشبعهم زمزم، وتوجد فيهم الأمراض الكثيرة ويحتاجون إلى العلاج، ويستمر ببعضهم مرضه وقد كان ذلك في عهد النبي ﷺ وبعده؟!.
ويجاب: بأن ذلك خاص والله أعلم بالمضطر المخلص في اعتقاده وتوجهه إلى ربه عز وجل. والله أعلم. أفاده العلامة المُعلمي1
قال سفيان بن عيينة لما سأله رجل عن حديث زمزم الذي حدثهم به: «أليس الحديث صحيحًا الذي حدثتنا به في زمزم أنه لما شرب له؟» فقال: «نعم».1 وسكت عنه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى»، وسكوته عنده دليل على الصحة إذا لم يذكر علة.2 وقال الدمياطي عن أحد طرقه: «على رسم الصحيح».3 وقال المنذري في طريق جابر: «وهذا إسناد حسن».4 وأورده ابن الملقن في «تحفة المحتاج» داخل ما اشترط فيه الصحيح أو الحسن.5 وقال ابن حجر بعد جمع طرقه: «فمرتبة هذا الحديث عند الحفاظ باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به، على ما عرف من قواعد أئمة الحديث».6 وقال محققو المسند: «حديث محتمل للتحسين».7 وصححه الألباني.8
لكن قال العقيلي في عبد الله بن المؤمل في هذا الحديث: «لا يتابع عليه».9 وقال ابن حبان: «كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد»، ثم ذكر حديث زمزم وقال: «لم يتابع عليه».10 وقال البيهقي بعد إخراجه: «تفرد به عبد الله بن المؤمل».11 وقال ابن عدي: «هذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير».12 وقال ابن القطان: «عبد الله بن مؤمل سيئ الحفظ»، وأعل الإسناد به.13 وقال النووي: «رواه البيهقي بإسناد ضعيف من رواية جابر، قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف».14 وقال الذهبي: «فيه ابن المؤمل ضعيف». وقال الشوكاني: «إسناده ضعيف». وضعفه الحويني.
فالحديث من هذا الوجه يدور على عبد الله بن المؤمل. وقد اضطرب فيه كلام ابن معين؛ فقال مرة: «صالح الحديث»، وقال مرة: «ليس به بأس، ينكر عليه الحديث»، وقال في روايات أخرى: «ضعيف». وقال أحمد: «أحاديث عبد الله بن المؤمل مناكير»، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «ليس بقوي».8 وقال النسائي: «ضعيف».9 وقال أبو داود: «منكر الحديث».10 وقال ابن عدي: «أحاديثه عليها الضعف بين».11 فمرتبته لا تحتمل منه التفرد بمثل هذا الخبر بلا عاضد معتبر.
وأما عنعنة أبي الزبير فليست العلة المؤثرة هنا؛ لأن رواية ابن ماجه فيها تصريح عبد الله بن المؤمل بسماعه من أبي الزبير، وتصريح أبي الزبير بقوله: «سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ».12 فالعلة باقية في عبد الله بن المؤمل نفسه.
وقد نص النقاد على تفرده بهذا الحديث؛ فقال العقيلي: «لا يتابع عليه».13 وقال ابن حبان: «لم يتابع عليه».14 وقال البيهقي: «تفرد به عبد الله بن المؤمل».15 وقال ابن عدي: «هذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير».16 وهذه أحكام لها وزنها؛ لأنها متعلقة بهذا الحديث بعينه، لا بمجرد الحكم العام على الراوي.
وروي عن أبي الزبير من طريق إبراهيم بن طهمان بمتابعة ظاهرة لعبد الله بن المؤمل، فرواه البيهقي من طريق خلاد بن يحيى، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه: «هَذَا مَاءُ زَمْزَمَ، وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».17 لكن هذه المتابعة لم يثبتها الحفاظ؛ فقال ابن حجر: «ولا يصح عن إبراهيم، إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل».18 وأشار في الجزء المفرد إلى أن عبد الله بن المؤمل سقط من هذا الإسناد.19 ويؤيد ذلك أن البيهقي نفسه حكم على الطريق الأصلي بقوله: «تفرد به عبد الله بن المؤمل»، فلا يصح جعل رواية إبراهيم متابعة ثابتة تدفع التفرد الذي نص عليه النقاد.
ورواه الطبراني من طريق عبد الرحمن بن المغيرة، عن حمزة الزيات، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا.20 وهذه متابعة أخرى في الظاهر، لكن ابن عدي عقب عليها فقال: «هذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير... ولم نكتبه من حديث حمزة إلا عنه».21 وقال ابن حجر: «أخطأ فيه راويه، إنما هو عن عبد الله بن المؤمل، فهو المتفرد به».22 فلا تثبت هذه المتابعة أيضًا.
ورواه البيهقي من طريق سويد بن سعيد، قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم، ثم قال: «اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له...».23 وقال البيهقي: «غريب... تفرد به سويد».24 وهذه الرواية هي التي اغتر بظاهر إسنادها الدمياطي فقال إنها على رسم الصحيح، لكن سويدًا أخطأ في الإسناد؛ فقد بين ابن حجر أن المحفوظ عن ابن المبارك أنه رواه عن عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، لا عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر.25 وقال الذهبي في خبر سويد: «فرد منكر، ما أتى به سوى سويد».26 فهذه ليست متابعة حقيقية لعبد الله بن المؤمل.
ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، من طريق عبد الله بن المؤمل، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا.27 وهذا لا يصلح شاهدًا مستقلًا؛ لأن مداره كذلك على عبد الله بن المؤمل نفسه، فهو الراوي الذي وقع به ضعف الطريق الأصلي، وإنما غيَّر فيه الشيخ والصحابي، فلا يصح جعل روايته الأخرى عاضدًا لروايته الأولى، بل قد تكون من اضطرابه.
وروي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ رواه الدارقطني،28 والحاكم،29 من طريق محمد بن حبيب الجارودي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، مرفوعًا بزيادة: «فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللهُ...». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي».30
لكن هذا الوجه المرفوع غير محفوظ؛ فقد قال ابن حجر: «أخطأ الجارودي في وصله، وإنما رواه ابن عيينة موقوفًا على مجاهد، كذلك حدث به عنه حفاظ أصحابه كالحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم».31 والمحفوظ رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: «زَمْزَمُ لِمَا شُرِبَتْ لَهُ، إِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ الشِّفَاءَ شَفَاكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ أَنْ تُشْبِعَكَ أَشْبَعَتْكَ، هِيَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، وَسُقْيَا اللهِ إِسْمَاعِيلَ».32 فهذا هو الوجه المحفوظ عن ابن عيينة: من قول مجاهد، لا من حديث ابن عباس مرفوعًا.
وبهذا يتضح أيضًا أن ما ورد في قصة الحميدي أن سفيان بن عيينة حدثهم «بحديث زمزم أنه لما شرب له»، ثم سأله رجل: «أليس الحديث صحيحًا؟» فقال: «نعم»،33 لا يصح أن يقال بناء عليه بإطلاق: «صحح ابن عيينة الحديث المرفوع»؛ لأن القصة لم تسق إسناد الحديث الذي حدث به ابن عيينة، والمحفوظ عنه بإسناد أصح أنه رواه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد من قوله. فغاية القصة أن ابن عيينة صحح ما حدث به في زمزم، ولا دليل فيها على أنه صحح طريق جابر المرفوع أو طريق ابن عباس الموصول.
وروي موقوفًا على معاوية رضي الله عنه؛ رواه الفاكهي من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حج معاوية شرب من زمزم وصب على وجهه ورأسه، وهو يقول: «زَمْزَمُ شِفَاءٌ، هِيَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».34 وقال ابن حجر: «هذا إسناد حسن مع كونه موقوفًا، وهو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث».35
لكن وقع في المطبوع من «أخبار مكة» أن شيخ الفاكهي هو «محمد بن إسحاق الصيني»، وقد قال ابن أبي حاتم: «كتبت عنه بمكة... وسألت أبا عون بن عمرو بن عون عنه فتكلم فيه وقال: هو كذاب، فتركت حديثه».36 وعلى هذا الضبط لا يكون الإسناد حسنًا. وقد احتمل أن يكون «الصيني» تصحيفًا عن «الصاغاني» الثقة الحافظ؛ فإن محمد بن إسحاق الصاغاني معروف بالرواية عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد.37 وهذا قد يفسر تحسين ابن حجر للطريق، لكن الاحتمال وحده لا يكفي للجزم بتصحيح الإسناد ما لم تثبت القراءة في أصل موثوق. وعلى كل حال فهذا الأثر موقوف على معاوية، فلا يثبت به رفع الحديث.
وأما رواية «ماء زمزم لما شرب له» موقوفةً على ابن عباس، فقد سبق تخريج بعض ما يتعلق بأدعية وشرب ابن عباس من زمزم في «ديوان الحديث» برقم: 1418، ولا يصح جعل تلك الروايات دليلًا مستقلًا على رفع هذا اللفظ؛ فالمرفوع عن ابن عباس من طريق الجارودي غير محفوظ كما تقدم.
وقد صح في فضل ماء زمزم ما يغني عن التوسع في الاستدلال بالأسانيد الضعيفة؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال فيها: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ».38 فهذا يثبت بركتها وكونها طعامًا، لكنه لا يثبت خصوص الوعد الوارد في لفظ «لما شرب له»؛ إذ صحة أصل الفضيلة لا تستلزم صحة كل لفظ خاص ورد فيها.
فالحديث من طريق جابر يدور على عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، وقد نص العقيلي وابن حبان والبيهقي على عدم متابعته وتفرده بهذا الخبر. والمتابعات التي رويت عن إبراهيم بن طهمان وحمزة الزيات لا تثبت عند التحقيق، وطريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك خطأ في الإسناد، وطريق عبد الله بن عمرو يعود إلى عبد الله بن المؤمل نفسه، فلا يكون شاهدًا مستقلًا. وأما طريق ابن عباس الموصول فقد أخطأ الجارودي في وصله، والمحفوظ عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد من قوله. وأثر معاوية موقوف، وفي ضبط شيخ الفاكهي إشكال يمنع من الجزم بصحته على النسخة المطبوعة. ولهذا لا يظهر عاضد مرفوع مستقل معتبر يرفع طريق جابر عن ضعفه.
وأما تحسين المنذري، وتصحيح من صححه من المتأخرين، وترجيح ابن حجر أن مجموع الطرق يصلح للاحتجاج؛ فمبناه على ضم هذه الطرق بعضها إلى بعض. لكن بعد تفكيكها يتبين أن أكثرها إما راجع إلى عبد الله بن المؤمل نفسه، أو خطأ في الإسناد، أو موقوف ومقطوع، فلا يتحقق بها على طريقة أئمة العلل تعدد مرفوع مستقل يدفع تفرد ابن المؤمل الذي نص عليه العقيلي وابن حبان والبيهقي. ولذلك فالراجح بقاء الحديث على الضعف مرفوعًا، مع ثبوت أصل لفظه ومعناه عن مجاهد، وثبوت فضل ماء زمزم وبركته بأحاديث صحيحة مستقلة.