عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :
احتج به البخاري «5787». 1
رواه البخاري «5787». 1 والنسائي «5331». 2 عن شعبة: حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رفعه.
وفي الباب عن ابن عمر قال :« مررت على رسول الله ﷺ، وفي إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله، ارفع إزارك. فرفعته ثم قال: زد. فزدت، فما زلت أتحراها بعد، فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين ». 3 وعن حذيفة قال :«أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي أو ساقه، فقال: هذا موضع الإزار، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين». 4
أجمع العلماء على حرمة إسبال الثوب للخيلاء والتكبر. واختلفوا إن كان الإسبال لغير خيلاء، قال قوم حرام مطلقا، وهذا مذهب الظاهرية، وبه قال ابن العربي المالكي و الذهبي وابن حجر والصنعاني واستدلوا :
قال ﷺ :«فإن إسبال الإزار من المخيلة». 1فهذا فيه دليل عن الإسبال كله مخيلة.
ورد عليهم بأن من تبعيضية أي بعضه وليس كله، ثم هب أنه كله كذلك، فهذا خرج مخرج الغالب، كقول ربنا:﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ 2. قال الطاهر بن عاشور:«الشرط لا يراد به عدم النهي عن الإكراه على البغاء إذا انتفت إرادتهن التحصن بل كان الشرط خرج مخرج الغالب لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إذ كن يحببن التعفف». 3 وكقول ربنا﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ 4. فكذلك فإن الغالب على عهدهم أن الإسبال لا يكون إلا مخيلة.
وقال ﷺ :«ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار». 5
و قال ﷺ:«من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». 6 فدلت الأحاديث على أن ما تحت الكعبين في النار، وهو يفيد التحريم. ودل على أن من جر إزاره خيلاء لا ينظر الله إليه، وهو دال على التحريم، وعلى أن عقوبة الخيلاء عقوبة خاصة هى عدم نظر الله إليه، وهو مما يبطل القول بأنه لا يحرم إلا إذا كان للخيلاء. 7.
ورد عليهم بأن الحكم واحد وهو الحرمة، فدل المنع عليها، والتعدد هو تعدد العقوبات لا تعدد الأحكام،و هذا كقوله ﷺ :«من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة». 8 وورد :«عصارة أهل النار». 9 وورد :«يسقيه من طينة الخبال». 10 وورد :«لعن الله الخمر، وشاربها». 11
بل كذلك ورد في هذه المسألة من قوله :«من وطئه من الخيلاء وطئه في النار». 12فجاء الإسبال هنا مقيدا بالخيلاء مع ذكر نفس عقوبة الحديث المطلق.
وقد ورد :ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». 13
فهنا أطلق الإسبال دون شرط المخيلة، في حين قيدها في حديث ابن عمر :«من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة». 14
عن عمرو بن زرارة الأنصاري قال :«بينا هو يمشي قد أسبل إزاره، إذ لحقه رسول الله ﷺ وقد أخذ بناصية نفسه، وهو يقول: اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمتك . قال عمرو: فقلت: يا رسول الله، إني رجل حمش الساقين. فقال: يا عمرو، إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو وضرب رسول الله ﷺ بأربع أصابع من كفه اليمنى تحت ركبة عمرو فقال: يا عمرو، هذا موضع الإزار ثم رفعها، ثم ضرب بأربع أصابع من تحت الأربع الأول، ثم قال: يا عمرو، هذا موضع الإزار ثم رفعها ثم وضعها تحت الثانية فقال: يا عمرو، هذا موضع الإزار». 15 فرسول الله ﷺ نهاه ولم يسأله عن نيته، فدل هذا على النية غير معتبرة هنا.
ورد عليهم بإنه إنما نهاه مظنة الوقوع فيه، قال ابن حجر :«وظاهره أن عمرا المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنة». 16
عن أبي هريرة قال :«أنه نهى عن السدل في الصلاة».
ورد عليهم بأنه حديث ضعيف، وإن صح فلا يمكن حمله على سدل الثوب، فقد يطلق على سدل اليدين والثوب والشعر وغيرها. قال الشوكاني :«ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إن كان السدل مشتركا بينها، وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القوي». 17
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه». 18
قالوا:أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى ، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال، من أجل ستر العورة ، لأن جميع قدمها عورة . فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط. 19
ورد عليهم بأن الحديث مصدرا بقوله (من جر ثوبه خيلاء) والقول أنها فهمت منه استواء النهي لغير علة يحتاج منكم دليل على فهمها.
القول الثاني الجواز، وهو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة وبه قال النووي وابن تيمية والشوكاني واستدلوا :
قال ﷺ :«من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». 20 فالنبي ﷺ قيد الحرمة بالخيلاء فنحمل المطلق على المقيد.
ورد عليهم أن من شروط حمل المطلق على المقيد اتحاد الحكم والحكم هنا مختلف، ويشكل عليكم قول النبي ﷺ :«إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج - أو لا جناح - فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من ذلك ففي النار، من جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه». 21 فقد جمعت في سياق واحد.
وأجيب أن المعنى من أسبل ثوبه خيلاء وكبرًا، حق له أن يطأ في النار إلى كعبيه، لأن الله لا يرحمه يوم القيامة بل يمقته. و هذا ما فهمه الإمام مالك من الحديث، حيث أورده في باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه . و الدليل على أن قوله (ما أسفل الكعبين) يراد به الإسبال، حديث جابر بن سليم رضي الله عنه الطويل وفيه :«وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة». 22
فقد اعتبر مجاوزة الكعبين إسبالاً فنهاه عن ذلك . فصار قوله (إياك و الإسبال) في هذا الحديث، مقابل قوله (ما أسفل من ذلك ففي النار) في حديث أبي سعيد الخدري، و كذلك هي السنة يصدق بعضها بعضًا .
و نظيره حديث ابن عمر رضي الله عنهما :«الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئا خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». 23 فقد أجمل الإسبال المنهي عنه ثم بيّن المقصود بالنهي. فهل يصلح أن يقال : أنّ فيه حكمين؛ الإسبال مطلقًا، و الجر خيلاء؟. لا يمكن ذلك ولا يستقيم، لأنك أنّى توجهت وجدت الإسبال مرادفًا للجرّ و مقيّدًا بالمخيلة.24
عن أبي بكرة قال :«كنا عند رسول الله ﷺ، فانكسفت الشمس، فقام النبي ﷺ يجر رداءه، حتى دخل المسجد». 25
وعن عمران بن حصين :«أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله فقام إليه رجل - يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول - فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه. وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس». 26
ورد عليهم بأن الفزِع والغضبان والناسي لا قصد لهم أصلا بل لا يخطر ببالهم الاسبال، فلا يقال إن فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك دليل على أن النهي عن الإسبال للتنزيه وأن فعله لبيان الجواز، لأنه لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم فعلا مقصودا، ولأنه تقدم فى أحاديث الوعيد بالنار الذي لا يكون إلا على فعل محرم. 27.
عن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :«من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. قال أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ: لست ممن يصنعه خيلاء». 28
ورد عليهم بأن أبا بكر قال (أتعاهد ذلك منه) فبين سبب إسباله ذاك.
وأجيب لو كانت العبرة بالتعاهد لقال له (إنك تتعاهده) ولكن النبي بين العلة وهي الخيلاء.
ورد على هذا أيضا، بأن أبا بكر كان في حكم المكره، كما سبق في حال الغضب والخروج مسرعا، فهذا ليس بإسبال فإنه لا بد أن يكون من فعل المسبل نفسه، وهنا نسب الاسترخاء إلى الإزار من غير إرادته،.. أنه لا بد من القصد فى الإسبال أنه لا يحرم جره حال الفزع والغضب والنسيان كما قدمنا.29
قال ﷺ:«الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئا خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». 30 هذه الملابس اليوم التي نلبسها لا ديخل الإسبال أصلا وقد خت بالحديث مع السراويل كانت معلومة حينها.
ورد عليهم: إنما خص الإزار بالذكر فى حديث أبى هريرة - والله أعلم - لأن أكثر الناس فى عهده عليه السلام كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس المقطعات وصار عامة لباسهم القمص والدراريع كان حكمها حكم الإزار، وأن النهي عما جاوز الكعبين منها داخل فى معنى نهيه عليه السلام عن جر الإزار، إذ هما سواء فى المماثلة، وهذا هو القياس الصحيح.31
عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه :«كان يسبل إزاره، فقيل له فقال: إني رجل حمش الساقين». 32
ورد عليهم بأن المقصود هو الزيادة عن الساقين لا ما تحت الكعبين. وهب أنه لم يكن هذا فهو معارض للأحاديث الصحيحة.
والذي نراه أن الإسبال لا يحرم إلا للمختال المكتبر، أما غيره وخاصة في زماننا فلا يحرم، لأن العلة هي الخيلاء، وهذا ظاهر كلام الفقهاء الذين منعوا من الاسبال مطلقا فهم منعوا منه خوفا من الوقوع في الكبر، فيكون الذي يسبل ثوبه، به تكبر ولو ادعى غير ذلك، كمن تداوى من الخمر بالخمر، فيكون المعنى أن كل مسبل متكبر، قال ابن العربي :«لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أتكبر فيه لأن النهي قد تناوله لفظا وتناول علته ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكما فيقال إني لست ممن يمتثله لأن تلك العلة ليست في فإنه مخالفة للشريعة ودعوى لا تسلم له بل من تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعا». 33.
فتأمل قوله رحمه الله (دعوى لا تسلم له بل من تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعا. فهو يتحدث عن حال كان الإسبال ظاهرة معلومة عندهم وأن غالب الناس تفعله للخيلاء. قال الذهبي :«وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس،». 34
وهذا هو ما لا يتحمله عصرنا، فكيف لأحد أن يتعرض للكبر أو يظن به، وسرواله قد بلغ الكعبين؟.
فهذا إنما يقال في مجتمع الملابس فيه نادرة، والناس لا تجد ما تلبسه فكان قوم يجروها ليبينوا للناس غناهم، وهذا ظاهر في حديث أبي هريرة قال :«رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته». 35 فتأمل قوله (يبلغ نصف الساقين) فقد كان هذا دلالة على التواضع والفقر.
فيتبين أن للعرف في هذا مدخل، لذا قال العراقي في حديثه عن الإسبال في الكم :«وإن كان على طريق العوائد المتجددة من غير خيلاء فالظاهر عدم التحريم». 36