النبي ﷺ طلب كتابًا يكتب لهم فيه ما يعصمهم من الضلال، فلما وقع الاختلاف واللغط ترك الكتابة وقال: «قوموا عني»، ولو كان الأمر وحيًا واجب البلاغ أو نصًا على إمامة شخص بعينه لما تركه النبي ﷺ بسبب اختلاف الحاضرين؛ لأن الله قد أكمل الدين قبل ذلك، ولأن النبي ﷺ عاش بعد هذه الحادثة أيامًا وخطب الناس ووصاهم بأمور كثيرة، وكان يمكنه أن يكتب أو يأمر بالكتابة في وقت آخر.
وأما دعوى أن النبي ﷺ أراد أن ينص على علي بن أبي طالب ثم منعه عمر، فهي دعوى لا دليل عليها، بل تعارضها النصوص الصحيحة الصريحة؛ فقد قالت عائشة بنت أبي بكر: قال النبي ﷺ في مرضه :«ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ».1 فهذا أقرب ما يكون إلى بيان مراده لو كتب شيئًا، وأنه متعلق بأبي بكر لا بغيره.
وزاد النبي ﷺ هذا المعنى تأكيدًا بأفعال متكررة؛ فأمر أبا بكر الصديق أن يصلي بالناس في مرض موته، وقال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر»، ولم يُعرف عن أحد من الصحابة أنه فهم من حديث القرطاس نصًا على إمامة علي، حتى علي نفسه بايع أبا بكر ولم يحتج بهذا الحديث.
وأما قول عمر: «حسبنا كتاب الله» فليس ردًا للسنة ولا اعتراضًا على النبي ﷺ، وإنما اجتهاد منه لما رأى شدة المرض على رسول الله ﷺ، وظن أن الأمر ليس على سبيل الإلزام، ولذلك لم ينكر عليه النبي ﷺ بعينه، وإنما أنكر وقوع التنازع عنده.
ولهذا كان ابن عباس يعد المصيبة في فوات الكتاب الذي كان سيزيد الأمة بيانًا وطمأنينة، لا أنه ضاع أصل من أصول الدين أو نص على خليفة كتمه الصحابة؛ فإن الدين قد اكتمل، ولو كان هناك نص جلي على الخلافة لما جاز أن يخفى على الأمة كلها ثم لا يحتج به أحد من الصحابة عند وقوع الخلاف.