تخريج حديث 1619: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ…»
عن أنس بن مالك قال :
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ.”
عن أنس بن مالك قال :
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ.”
احتج به البخاري «150».1 ومسلم «270».2 وأصلحه أبو داود «43».3 وصححه ابن الملقن.4
لكن قال الإمام أحمد :«لم يصح في الاستنجاء بالماء عن النبي ﷺ حديث».5 وذكر الأصيلي أن قوله :«يستنجي به» من كلام الوليد راوي الحديث، لا من قول أنس.6
رواه أحمد «12100».1 والبخاري «150».2 ومسلم «270».3 وأبو داود «43».4 والنسائي «45».5 عن عطاء بن أبي ميمونة: سمع أنس بن مالك رفعه.
عطاء بن أبي ميمونة مختلف فيه، ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري وأبو داود والنسائي، والعجلي وابن المديني، والدارقطني وغيرهم.. لكن وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح لا يحتج بحديثه، وكان قدريا. وقال ابن عدي: في بعض أحاديثه بعض ما ينكر عليه. ووثقه يعقوب بن سفيان.. والظاهر أن أقول أحواله أن حسن الحديث.
اعترض الأصيلي6 بأن جملة «يستنجي بالماء» ليست من كلام أنس، وإنما هي تفسير من أبي الوليد الطيالسي أحد رواة الحديث عن شعبة، بدليل أن سليمان بن حرب رواه عن شعبة بدون هذه الزيادة، فإذا سقطت الزيادة احتمل أن الماء كان للوضوء لا للاستنجاء.
ثم زاد بعضهم اعتراضًا آخر، وهو أن هذه الجملة لو ثبتت فليست من كلام أنس، وإنما من كلام عطاء الراوي عنه، فتكون مدرجة لا مرفوعة ولا متصلة بالسياق.
فأجاب ابن حجر العسقلاني بأن هذا الاعتراض مردود من جهتين:
الأولى: أن حذف بعض الرواة للزيادة لا يقتضي ردها إذا كان غيرهم قد حفظها، لأن قاعدة المحدثين أن زيادة الثقة مقبولة ما لم تقع مخالفة مؤثرة. وقد جاءت طرق أخرى تؤيد أن الماء كان للاستنجاء.
الثانية: أن رواية خالد التي أشار إليها ابن حجر فيها: «فخرج علينا وقد استنجى بالماء» أو ما يدل على أن الكلام من تمام خبر أنس نفسه، فانتفى احتمال الإدراج من عطاء.
ولهذا رجح ابن حجر أن الزيادة محفوظة، وأن استدلال البخاري صحيح، وأن تعقب الأصيلي غير قوي.
لكن من جهة الصناعة الحديثية المحضة، فالأصيلي لم يخطئ في أصل الاعتراض؛ لأن اختلاف أصحاب شعبة في هذه اللفظة يوجب البحث في ثبوتها، لكن ابن حجر رأى أن الشواهد والمتابعات رفعت هذا الإشكال، فصار الترجيح مع البخاري لا مع الأصيلي.
وله شاهد رواه أحمد :«9861 - حدثنا حجاج، قال: حدثنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء دعا بماء فاستنجى، ثم مسح بيده على الأرض، ثم توضأ». 7 لكنه ضعيف.
وآخر رواه أحمد :«24984 - حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة قال: حدثتني معاذة العدوية، عن عائشة، قالت: مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الخلاء والبول، فإني أستحي (2) أن آمرهم بذلك، إن رسول الله ﷺ كان يفعله». 8
المحفوظ عن عائشة جاء من وجهين:
موقوفًا عليها من طرق كثيرة عن معاذة.
ومرفوعًا إلى النبي ﷺ من طريق قتادة عن معاذة، ومن طرق أخرى يشد بعضها بعضًا.
ومدار الخلاف الحقيقي ليس بين ثقة وضعيف، وإنما بين الوقف والرفع.
ولهذا نجد أن أبا زرعة الرازي رجح المرفوع،9 وأن البيهقي قال :«وقتادة أحفظ».10 وأن الدارقطني ختم كلامه بقوله: «ورفعه صحيح».11
وهذه عبارة لها وزنها عند أهل العلل؛ لأن الدارقطني بعد أن استوعب جميع أوجه الاختلاف لم يقل: الوقف أصح، بل قال: «ورفعه صحيح»، فدل على أن الاختلاف لا يضر الرفع هنا.
والذي يظهر أن سبب الترجيح أن قتادة أحفظ أصحاب معاذة في هذا الحديث، وقد تابعه غيره على أصل الرفع، بينما أكثر الموقوفات ليست صريحة في نفي الرفع؛ إذ من القواعد المعروفة أن الراوي قد يقف الحديث مرة ويرفعه أخرى، ويكون معه زيادة علم في حال الرفع.
وأما طريق يزيد الرشك فالمحفوظ عنه الوقف، ولذلك عد النقاد رواية أبان العطار وابن شوذب عنه مرفوعة شاذة بالنسبة لرواية شعبة وحماد بن زيد عنه. لكن شذوذ هذا الوجه لا يقدح في أصل الحديث؛ لأن الاعتماد ليس عليه، وإنما على طريق قتادة.
ولهذا فالعلة هنا علة اختلاف لا علة إبطال. والنقاد بعد جمع الطرق لم يحكموا بوقف الحديث، بل حكموا بصحة رفعه. وهذه هي النتيجة التي انتهى إليها أبو زرعة والبيهقي والدارقطني، وهي أرجح من مجرد عدِّ الطرق الموقوفة دون النظر إلى مراتب الرواة وأسباب الاختلاف.
قال ابن الملقن :«وقول الإمام أحمد أيضا: لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث، غريب منه مع جلالته.». 12
(كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته) إذا ذهب لقضاء حاجته من بول أو غائط (أجيء أنا وغلام) أي يرافقه أنس وغلام آخر من الخدم أو الصبيان (معنا إداوة من ماء) الإداوة إناء صغير يجعل فيه الماء (يعني: يستنجي به) أي يستعمل الماء في إزالة أثر الخارج بعد قضاء الحاجة.