رواه الطبري :«حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن عائشة فذكرته».1
مدار هذه الطريق على ابن جريج عن عائشة بنت أبي بكر، وابن جريج لم يدرك عائشة أصلًا، فروايته عنها معضلة، والإعضال من أقبح أنواع الانقطاع وأشدها تأثيرًا في الحكم على الأخبار.
وأما ما أثير حول رواية سنيد عن حجاج، وما وقع فيها من تحويل بعض صيغ الأداء، فليس هو موضع العلة المؤثرة هنا؛ إذ مهما قيل في تلك القصة فإن رواية ابن جريج عن عائشة تبقى منقطعة انقطاعًا ظاهرًا لا يرتفع بحال، فلا يفتقر إعلال الخبر إلى ما وراء ذلك.
غير أن الإشكال لا يقف عند الإسناد، بل يتجاوزه إلى المتن؛ فإن هذه الرواية تضمنت الزيادة المنكرة الواردة في بعض طرق الحديث، وهي الإشارة إلى الذراع وتحديد القدر الذي يجوز إظهاره، وقد جاءت هذه الزيادة على وجوه مختلفة مضطربة لا يثبت منها شيء، فتارة تذكر بلفظ «نصف الذراع» وتارة بلفظ «وقبض على ذراع نفسه» وتارة بألفاظ أخرى متباينة، والاضطراب إذا وقع في موضع الاستدلال كان من أقوى أمارات الوهن.
ثم إن هذا المعنى لم يثبت من وجه صحيح عن النبي ﷺ، مع شدة الحاجة إليه وكثرة دواعي نقله لو كان محفوظًا، لكونه يتعلق ببيان حد ما يجوز للمرأة إظهاره، وهي مسألة تعم بها البلوى، فكان مقتضى الحال أن يروى من وجوه ثابتة مشهورة لا من طرق واهية مضطربة.
ويزداد المتن نكارة بأن هذه الزيادة إنما تدور في الجملة على طرق ضعيفة ومنقطعة ومعلولة، بينما تخلو الأحاديث الصحيحة المشهورة في الباب من هذا التحديد.
والمشهور حديث عائشة :«أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه».2 وهو منكر كما بينا قبلا برقم: 576.
المصادر والمراجع
1تفسير الطبري (17/ 260)
2سنن أبي داود (4/ 106 ط مع عون المعبود)
شرح الحديث
(دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة) أي عليها زينة ظاهرة (فدخل النبي ﷺ فأعرض) صرف بصره عنها إنكارًا لما رآه (فقالت عائشة: إنها ابنة أخي وجارية) أي صغيرة السن وقريبة مني (فقال: إذا عركت المرأة) أي إذا حاضت وبلغت، وقيل: إذا أدركت سن النساء (لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها) أي على القول بثبوت الخبر (وإلا ما دون هذا) أي ما كان من الذراع إلى الكف (وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى) إشارة إلى موضع ما يجوز كشفه.