قال الحاكم :«هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».1 وحسنه لغيره محققو المسند «15333».2 وحسنه ضياء الرجمن،3 وصححه الألباني بمجموع طرقه.4
لكن قال الذهبي :«هذا حديث منكر، وإسحاق رماه محمد بن عوف بالكذب».5 وقال الهيثمي :«رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعا وإن كان تابعيا».6
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (3/ 329)
2مسند أحمد (24/ 48 ط الرسالة)
3الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (7/ 156)
4السنة لابن أبي عاصم ومعها ظلال الجنة للألباني (2/ 523)
5المهذب في اختصار السنن الكبير (6/ 3269)
6مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 229)
تخريج الحديث
رواه أحمد «15333».1 وابن أبي عاصم «1096».2 عن صفوان بن عمرو، عن شُريح بن عبيد، قال: قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم ذكره.
منقطع فشريح لم يسمع من عياض، وإنما سمعه من جبير بن نفير كما سيأتي.
ورواه الحاكم عن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زريق الحمصي، ثنا أبي، ثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، ثنا الفضل بن فضالة، يرد إلى عائذ، يرده عائذ إلى جبير بن نفير، أن عياض بن غنم الأشري ذكره.3 عمرو بن الحارث الزبيدي الحمصي مجهول،4 وابن زريق، قال الذهبي :«ابن زريق واه». 5 ومثل لا يقال أنه يقوى بالمتابعة، وقد توبع، فقد رواه ابن أبي عاصم : «1098 - حدثنا محمد بن عوف، ثنا عبد الحميد بن إبراهيم عن عبد الله بن سالم به».6
عبد الحميد بن إبراهيم، قال محمد بن عوف الحمصى :«كان شيخا ضريرا لا يحفظ وكنا نكتب من نسخه الذى كان عند اسحاق ابن زبريق لابن سالم فنحمله إليه ونلقنه فكان لا يحفظ الاسناد ويحفظ بعض المتن فيحدثنا وانما حملنا الكتاب عنه شهوة الحديث».7
ورواه ابن أبي عاصم :«1097 - حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، قال: قال جبير بن نفير، قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم فذكره».8 محمد بن إسماعيل ضعيف، ثم هو منقطع، قال أبو حاتم :«لم يسمع من أبيه شيئا، حملوه على أن يحدث عنه فحدث».9
لفظ أحمد قال هشام لعياض :«ألم تسمع النبي ﷺ يقول: إن من أشد الناس عذابا أشدهم عذابا في الدنيا للناس " فقال عياض بن غنم: يا هشام بن حكيم، قد سمعنا ما سمعت، ورأينا ما رأيت، أولم تسمع رسول الله ﷺ يقول: من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان، فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى». 10
وأصله عند مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام قال :«مر بالشام على أناس، وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج فقال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا».11 هكذا رواه مسلم دون الزيادة.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (24/ 48 ط الرسالة)
2السنة لابن أبي عاصم (2/ 521)
3المستدرك على الصحيحين (3/ 329)
4ميزان الاعتدال (3/ 251)
5المستدرك على الصحيحين (3/ 329)
6السنة لابن أبي عاصم (2/ 522)
7الجرح والتعديل - ابن أبي حاتم (6/ 8)
8السنة لابن أبي عاصم (2/ 522)
9بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (2/ 537)
10مسند أحمد (24/ 49 ط الرسالة)
11صحيح مسلم (8/ 32)
شرح الحديث
(من أراد أن ينصح لذي سلطان) من أراد نصح الحاكم أو من له ولاية وسلطان (فلا يبده علانية) لا يظهر نصيحته على وجه التشهير والفضيحة أمام الناس (ولكن يأخذ بيده فيخلو به) يسعى إلى مناصحته سرًّا ومشافهة ما أمكن (فإن قبل منه فذاك) فقد حصل المقصود من النصيحة (وإلا كان قد أدى الذي عليه) فقد برئت ذمته بأداء واجب النصح.
فوائد الحديث
الاختيار بين النصح سرا أو علانية، يرجع إلى المصلحة، ففي حديث أسامة بن زيد قال :«قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟. فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه».1 قال النووي معلقا :«فيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سرا وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية، لئلا يضيع أصل الحق».2
فجوز النووي الأمرين للمصلحة، ويُستدل لذلك بأدلة كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري قال :«كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة، في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة».. 3 قال ابن بطال :«وفيه: إنكار العلماء على الأمراء ما يخالف السنة».4 وقال النووي:«وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان المنكر عليه واليا وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد».5
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما قال :«لما توفي عبد الله، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟».6
وعن القاسم، عن أبيه :«أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة، فقام عبد الله بن مسعود فثوب بالصلاة، فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد: ما حملك على ما صنعت؟. أجاءك من أمير المؤمنين أمر فيما فعلت، أم ابتدعت؟ قال: لم يأتني أمر من أمير المؤمنين، ولم أبتدع، ولكن أبى الله عز وجل علينا ورسوله أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك».7
وعن عياض بن عبد الله بن أبي سرح :«أن أبا سعيد الخدري دخل يوم الجمعة ومروان يخطب، فقام يصلي، فجاء الحرس ليجلسوه، فأبى حتى صلى، فلما انصرف أتيناه، فقلنا: رحمك الله، إن كادوا ليقعوا بك! فقال: ما كنت لأتركهما بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ».8
قال العثيمين كلاما فاصلا جامعا :«يجب أن نعلم أن الأوامر الشرعية في مثل هذه الأمور لها مجال، ولا بد من استعمال الحكمة، فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر، ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير، بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً، فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً، فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر، ولا يحصل به الخير».9