في الحديث إثبات تفاضل أهل الجنة في الدرجات، وأن الجنة ليست منزلة واحدة، بل منازل يرفع الله فيها أهل الإيمان والصدق.
وفيه أن التصديق ليس كلمة باردة على اللسان، بل إيمان يحمل صاحبه على العمل، فمن صدق الرسل في الدنيا رفعه الله في الآخرة حتى يراه أهل الجنة كما يرى النجم العالي في السماء.
ومن أرجى ما يتعرض به العبد لهذه الدرجات في زماننا: صدق الإيمان مع الله، وكثرة العمل الخفي الذي لا يطلع عليه الناس؛ فإن الله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾1 والدرجات العالية لا تُنال بصورة التدين، وإنما بحقيقته؛ فقد يكون الرجل مشهورًا بالطاعة وقلبه ضعيف، ويكون آخر خامل الذكر بين الناس وله عند الله منزلة لا تخطر لهم على بال.
ومن الأعمال التي جاءت النصوص برجاء عظيم لأهلها: قيام الليل، ولا سيما حين ينام الناس.
ومن أراد التعرض لهذه المنازل بألا يحتقر دوام العمل القليل؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :«سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟. قال: أدومها، وإن قل، وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون».2 فركعتان كل ليلة سنوات، وصدقة خفية دائمة، وورد قرآن لا ينقطع، واستغفار عند السحر، وبر للوالدين، وإصلاح بين الناس، وقضاء لحاجة محتاج؛ قد تكون عند الله أعظم من أعمال ضخمة متقطعة يداخلها النظر إلى الخلق.
وأعظم أبواب الرفعة بعد الفرائض: كثرة النوافل حتى يبلغ العبد محبة الله، ففي الحديث القدسي :«وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». 3 فمن أراد العالية فلا يبدأ بالمستحبات وهو مضيع للواجبات؛ بل يحكم الصلاة، والحقوق، والحلال والحرام، ثم يبني فوق ذلك من النوافل.