تخريج حديث 1769: «عَجِّلُوا الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ، فَإِنَّ…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
عَجِّلُوا الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
عَجِّلُوا الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ.”
صحح الحاكم أصل الحديث من طريق مهران أبي صفوان بلفظ :«من أراد الحج فليتعجل» فقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».1 وحسنه الألباني «7437».2 ومحققو المسند بلفظ :«تعجلوا إلى الحج».3
لكن ضعف ابن القطان لفظ :«من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه يمرض المريض، وتضل الضالة وتكون الحاجة».4 ونقل الخطيب في طريق أبي إسرائيل أن ابن خراش قال فيه :«ضعيف الحديث».5 وقال أبو نعيم عقب روايته :«إسماعيل الكوفي هو ابن أبي إسحاق أبو إسرائيل الملائي، تفرد به عن فضيل».6 وضعفه آل عيد.7
رواه أبو نعيم،1 والبيهقي «8767».2 والخطيب،3 عن أبي حذيفة، حدثنا سفيان بن سعيد، عن إسماعيل الكوفى، عن فضيل بن عمرو الفقيمى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رفعه.
مدار هذا الطريق على أبي إسرائيل إسماعيل بن خليفة الملائي، عن فضيل بن عمرو، وقد تفرد به أبو إسرائيل عن فضيل كما قال أبو نعيم. وأبو إسرائيل مختلف فيه، إلا أن الراجح ضعفه من جهة الحفظ؛ قال أحمد :«يكتب حديثه» وقال في موضع :«خالف الناس في أحاديث» وقال ابن معين في رواية :«ضعيف» وقال أبو حاتم :«حسن الحديث جيد اللقاء، وله أغاليط، لا يحتج بحديثه... وهو سيئ الحفظ» وقال النسائي :«ليس بثقة» وقال العقيلي :«في حديثه وهم واضطراب» وقال ابن عدي :«عامة ما يرويه يخالف الثقات».4
وفي الطريق أيضًا أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وهو صدوق في نفسه، لكنه سيئ الحفظ، وخصوصًا في روايته عن سفيان الثوري؛ قال أبو حاتم: «صدوق... ولكن كان يصحف، وفي بعض حديثه عن سفيان شيء» وقال أحمد في حديثه عن سفيان: «أبو حذيفة شبه لا شيء» وعده ابن معين في رواية من الضعفاء في سفيان.5
وقد رواه عبد الرزاق :«أخبرنا الثوري، عن إسماعيل، عن فضيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعجلوا إلى الحج - يعني: الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له».6 وهذه الطريق أسلم ممن فوق سفيان؛ لأن عبد الرزاق أحفظ من أبي حذيفة، لكنها لا تزال تدور على أبي إسرائيل الضعيف، كما أن لفظها ليس فيه: «مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ».
ورواه أحمد :«1834 - حدثنا وكيع، حدثنا أبو إسرائيل العبسي، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل، أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة».7 وقد اختلف على أبي إسرائيل في تسمية الصحابي وفي بعض ألفاظ المتن، وهو مما يناسب ما وصفه به النقاد من سوء الحفظ.
لكن لأصل الحديث طريق مستقل قوي عن أبي إسرائيل رواه الطبراني 738 - حدثنا العباس بن حمدان الحنفي الأصبهاني، ثنا يحيى بن حكيم، ثنا كثير بن هشام، عن فرات بن سليمان، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، وأحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أراد الحج منكم فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة».8
وإسناد هذا الطريق جيد؛ فالعباس بن حمدان ثبت ثقة، ويحيى بن حكيم وكثير بن هشام ثقتان، وعبد الكريم الجزري ثقة ثبت، وأما فرات بن سلمان الجزري الرقي -وقد يقع في بعض المصادر «فرات بن سليمان»- فقال أحمد وابن معين: «ثقة» وقال أبو حاتم: «لا بأس به، محله الصدق، صالح الحديث» وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به».9
لكنه غريب، تفرد به فرات بن سلمان عن عبد الكريم من طريق لا تعرف إلا عند الطبراني، مع كثرة أصحاب عبد الكريم، والمحفوظ عن فرات وغيره عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل حديثُ التلبية حتى رمي جمرة العقبة. وقد روى أحمد الحديثين متعاقبين: حديث التلبية من طريق فرات عن عبد الكريم، وحديث التعجيل من طريق أبي إسرائيل عن فضيل، مما يقوي احتمال دخول متن أحد الحديثين في إسناد الآخر في الطريق التي أخرجها الطبراني.
وقال آل عيد :«لكن هنا سؤال مهم: كيف يشتهر حديث أبي إسرائيل الملائي، وليس هو بالقوي، ممن يخالف الناس في حديثهم، كثير الوهم والغلط، وله أحاديث منكرة انفرد بها دون الثقات؛ حتى تركه بعضهم، وضعفه ابن معين في رواية، وقال النسائي مرة: ليس بثقة، وقال ابن حبان: منكر الحديث، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه يخالف الثقات، وهو في جملة من يكتب حديثه.
كيف ينتشر حديث مثل هذا، ثم نجد حديث الثقة الثبت عبد الكريم بن مالك الجزري: ينفرد به دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم فرات بن سلمان الرقي، ولا يصل إلينا إلا من هذا الوجه الغريب، ولا نجده في المصنفات سوى عند الطبراني، بينما يشتهر حديث أبي إسرائيل، ويرويه عنه جمع من الثقات، ويخرجه أصحاب السنن والمسانيد والمصنفات، فقد أخرجه ابن ماجه وأحمد والطيالسي، والطحاوي، والبيهقي، وغيرهم.
ثم نجد من أصحاب المصنفات المشهورة من يعرضون عن حديث عبد الكريم هذا، ويذهبون إلى حديث رجل مجهول عن ابن عباس، فقد روى أبو داود، والدارمي، وأحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وحرب الكرماني، والبيهقي وغيرهم حديث مهران أبي صفوان عن ابن عباس بهذا الحديث مختصرا.
والعجيب أن اثنين ممن روى هذا الحديث عن أبي إسرائيل الملائي، هما ممن يروي عن عبد الكريم بن مالك الجزري؛ سفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عيينة، وروايتهما عنه في الصحيح، فكيف يفوتهما حديث عبد الكريم الثقة الثبت، ثم يحملانه عن رجل هو أنزل منه رتبة بكثير!!».10 اهـ.
وله طريق آخر عن ابن عباس، رواه أبو داود عن أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن الحسن بن عمرو، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس.11 مهران مجهول؛ قال أبو زرعة :لا أعرفه إلا في هذا الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: مجهول الحال. وقال ابن حجر :مجهول.12
(عَجِّلُوا الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ) أي بادروا إلى أداء الحج عند القدرة عليه ولا تؤخروه اعتمادًا على بقاء الصحة والمال والقدرة (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) أي لا يعلم ما يستقبله من العوارض التي تحول بينه وبين الحج (مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ) أي قد يطرأ عليه مرض يمنعه من السفر، أو تعرض له حاجة في نفسه أو أهله أو ماله تشغله وتمنعه مما كان قادرًا عليه، وقد جاء في الطريق الآخر: «وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ» أي تفقد الراحلة أو وسيلة السفر.