أصلحه أبو داود «4607».1 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».2 وأورده ابن حبان في صحيحه «3144».3 وقال ابن عبد البر :«ثابت صحيح».4 وقال أبو نعيم: «حديث جيد من صحيح حديث الشاميين».5 وصححه الحاكم، وقال بعد استقصاء طرقه: «وقد صح هذا الحديث والحمد لله».6 وصححه ابن تيمية،7 وثبته ابن حجر،8 وصححه الألباني «4607».9 ومحققو المسند «17145».10
لكن نبَّه ابن رجب إلى أن الحديث ليس على شرط الشيخين، خلافًا لما قد يوهمه كلام الحاكم، فقال: «ليس الحديث على شرطهما، فإنما لم يخرجا لعبد الرحمن بن عمرو السلمي ولا لحجر الكلاعي شيئًا، وليس ممن اشتهر بالعلم والرواية» ونبه أيضًا إلى الاختلاف في بعض طرق الحديث، وإلى أن طريق يحيى بن أبي المطاع عن العرباض موصولًا أنكره حفاظ أهل الشام، وأن زيادة: «فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ...» أنكرها طائفة من الحفاظ وعدوها مدرجة.11، وهذا كله لا يقدح في أصل الحديث؛ فإنه ثابت من غير تلك الطرق والزيادات.
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (4/ 329 ط مع عون المعبود)
2سنن الترمذي (44/5)
3صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع (4/ 114)
4جامع بيان العلم وفضله (1164/2)
5حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (220/5)
6المستدرك على الصحيحين (176/1)
7اقتضاء الصراط المستقيم (83/2)
8موافقة الخبر الخبر (136/1)
9صحيح سنن أبي داود
10مسند أحمد (375/28 ط الرسالة)
11جامع العلوم والحكم (110/2)
تخريج الحديث
رواه أحمد «17145».1 وأبو داود «4607».2 وابن حبان «5».3 والحاكم «304».4 من طريق الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي، قالا: أتينا العرباض بن سارية رضي الله عنه، فذكر الحديث، وفيه: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
ورواه أحمد «17144».5 والترمذي «2676».6 من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض رضي الله عنه، بنحوه. فهذه متابعة لأبي عاصم للوليد بن مسلم عن ثور، وفيها الاقتصار على عبد الرحمن دون حجر، فدل على أن الحديث محفوظ من طريق عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحده، ولا يتوقف ثبوته على حجر بن حجر.7
وتابع ثورَ بن يزيد عن خالد بن معدان بحيرُ بن سعد؛ فرواه الترمذي «2676».8 من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض رضي الله عنه، بنحوه، وقال الترمذي عقب ذلك: «هذا حديث حسن صحيح»، ثم أشار إلى طريق ثور وإلى رواية حجر بن حجر.9 فليس الحديث مما تفرد به ثور عن خالد.
ووقع اختلاف على خالد بن معدان؛ فرواه حيوة بن شريح، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن العرباض، ورواه هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن خالد بن معدان، عن أبي بلال، عن العرباض. رواهما أحمد «17146، 17147».10 فذُكر أبو بلال بدل عبد الرحمن بن عمرو في هذين الوجهين.
لكن هذا الاختلاف لا يوجب إعلال الوجه الأول؛ لأن ثورًا وبحيرًا رويا الحديث عن خالد عن عبد الرحمن بن عمرو، وثور رواه عنه الحفاظ أبو عاصم والوليد بن مسلم، وصرح خالد في طريق الوليد بقوله: «حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ وَحُجْرُ بْنُ حُجْرٍ»، كما أن للحديث طريقًا آخر لا يمر بخالد أصلًا.
فقد رواه أحمد «17142».11 وابن ماجه «43».12 والحاكم «331».13 والطبراني «2017».14 من طريق معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، قال: سمعت العرباض بن سارية، فذكر حديث الموعظة، وفيه: «مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».15 وهذا طريق مستقل عن خالد بن معدان، يؤكد سماع عبد الرحمن بن عمرو من العرباض، ويقوي أصل الحديث قوة ظاهرة.
ومدار هذين الطريقين على عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي الشامي، وقد روى عنه خالد بن معدان، وضمرة بن حبيب، ويحيى بن جابر الطائي، ومحمد بن زياد الألهاني، وعبد الأعلى بن هلال، وروى عن العرباض وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات.16 فليس مجهول العين، وإن لم يكن من المشاهير، وقد تلقى الأئمة حديثه بالقبول وصححوه.
وأما حجر بن حجر الكلاعي فروى عنه خالد بن معدان وحده، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم: من الثقات، وقال ابن القطان: «لا يعرف» وقال ابن حجر: «مقبول».17 لكن جهالة حاله -على قول من قال بها- لا تضر الحديث؛ لأنه لم يتفرد به، بل قرنه خالد بعبد الرحمن بن عمرو، وثبت الحديث عن عبد الرحمن من وجوه أخرى لا ذكر لحجر فيها.
وله طريق عن يحيى بن أبي المطاع، عن العرباض، رواه ابن ماجه «42».18 والبزار «4201».19 والطبراني «66».20 من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض، وفيه: «وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
وهذا الإسناد ظاهره الاتصال، لكن حفاظ أهل الشام أنكروا سماع يحيى بن أبي المطاع من العرباض؛ فقال أبو زرعة الدمشقي إنه تعجب من رواية عبد الله بن العلاء عنه أنه سمع العرباض، وقال دحيم: «أنا من أنكر الناس لهذا» واستدلوا بقرب طبقة يحيى وبعد وفاة العرباض.21، ولذلك قال ابن رجب: «حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ولم يلقه، وهذه الرواية غلط».22. فهذه الطريق لا يعتمد عليها في أصل التصحيح، وإنما العمدة على طريق عبد الرحمن بن عمرو ومن تابعه.
وأما زيادة: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» فهي ثابتة في طريق معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب، وأما قوله في آخره: «فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ» فقد نبه ابن رجب إلى أن طائفة من الحفاظ، منهم أحمد بن صالح المصري، أنكروها وعدوها مدرجة، وأخرج الحاكم الطريق ببيان أن أسد بن وداعة كان يزيدها في الحديث.23، فلا تُجعل من أصل الحديث المحفوظ.
فالحديث صحيح ثابت بمجموع طرقه، وأقوى أصوله طريق عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض؛ رواه عنه خالد بن معدان وضمرة بن حبيب، وتابع عبد الرحمنَ حجرُ بن حجر في رواية خالد، وجاءت له طرق أخرى وإن كان في بعضها مقال. والاختلاف الواقع في بعض الأسانيد والزيادات لا يقدح في أصل قوله ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ... وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ... وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (375/28 ط الرسالة)
2سنن أبي داود (200/4)
3صحيح ابن حبان (178/1)
4المستدرك على الصحيحين (174/1)
5مسند أحمد (373/28 ط الرسالة)
6سنن الترمذي (44/5)
7سنن الترمذي (44/5)
8سنن الترمذي (44/5)
9سنن الترمذي (44/5)
10مسند أحمد (377/28 ط الرسالة)
11مسند أحمد (367/28 ط الرسالة)
12سنن ابن ماجه (16/1)
13المستدرك على الصحيحين (175/1)
14مسند الشاميين (172/3)
15مسند أحمد (367/28 ط الرسالة)
16تهذيب الكمال في أسماء الرجال (305/17)
17تهذيب الكمال في أسماء الرجال (472/5)
18سنن ابن ماجه (15/1)
19مسند البزار (137/10)
20المعجم الأوسط (28/1)
21تهذيب الكمال في أسماء الرجال (540/31)
22جامع العلوم والحكم (111/2)
23جامع العلوم والحكم (110/2)
شرح الحديث
(أَتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ) ذهب عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر إلى الصحابي العرباض رضي الله عنه (وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ}) كان من الذين أرادوا الخروج في الجهاد فلم يجد النبي ﷺ ما يحملهم عليه، فنزل القرآن ببيان عذرهم وصدق رغبتهم (فَسَلَّمْنَا، وَقُلْنَا: أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ) جئناك للزيارة، وعيادة المرض، وطلب العلم والانتفاع بما عندك من حديث رسول الله ﷺ (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) صلى بهم النبي ﷺ في يوم من الأيام (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا) توجه إليهم بعد الصلاة واعظًا ومعلّمًا (فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً) وعظهم وعظًا قويًّا نافذًا يبلغ القلوب (ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ) سالت الدموع من أثرها (وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ) خافت القلوب وخشعت، وهذا أثر الموعظة الصادقة إذا خرجت من قلب نبي (كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) شعر الصحابة أن هذه الوصية تشبه وصية من يودع أصحابه، لما فيها من الجمع والتأكيد (فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟) ماذا توصينا به وصية نتمسك بها بعدك؟ (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ) أوصاهم بأصل الدين كله، وهو أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره وترك نواهيه (وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) أوصاهم بلزوم جماعة المسلمين وطاعة ولي الأمر في المعروف، دفعًا للفوضى والفتن (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا) ولو تولى عليهم من كان في نظر الناس وضيع النسب أو المنزلة، فالعبرة بحفظ الجماعة والطاعة في المعروف لا بأهواء النفوس وأنساب الرجال (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا) أخبرهم أن الأمة سيقع فيها اختلاف واسع في الأهواء والآراء والبدع والفتن (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي) الزموا طريقتي وهديي عند الاختلاف، فهي الميزان والنجاة (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ) والزموا طريقة الخلفاء الراشدين الذين جمعوا بين الرشد في العلم والهداية في العمل، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم (تَمَسَّكُوا بِهَا) خذوا بالسنة أخذًا قويًّا لا أخذ المتردد (وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) بالغوا في الثبات عليها، كما يعض الإنسان بأقوى أسنانه على الشيء النفيس خشية أن يفلت منه (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) احذروا ما أحدث في الدين مما ليس منه (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ) كل أمر أُدخل في الدين تعبّدًا بغير أصل شرعي فهو بدعة (وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) كل بدعة في الدين انحراف عن طريق النبوة، ولو زينها الناس باسم المحبة أو المصلحة أو الذوق.
فوائد الحديث
في الحديث الإخبار بكثرة الاختلاف بعد النبي ﷺ، وأن الميزان عند وقوعه ليس كثرة الأتباع ولا شهرة الأقوال وإنما سنة النبي ﷺ، وفيه حجية سنة الخلفاء الراشدين فيما سنوه على أصول النبوة، وشدة الأمر بلزوم السنة عند الفتن حتى شبه التمسك بها بالعض بالنواجذ، والتحذير من إحداث العبادات والطرائق الدينية التي لم يأذن بها الله، وأن البدعة الشرعية مذمومة كلها إذ قال ﷺ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وفيه أن نجاة الأمة من الاختلاف ليست بابتداع طريق ثالث، وإنما بالرجوع إلى السنة التي كانت قبل وقوع الاختلاف.