تخريج حديث 1771: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.”
قال ابن الجوزي :«الرفع زيادة، ثم قد روي من غير طريقه».1
لكن سأل الترمذيُ البخاريَ عن الحديث، فذكر له البخاري أن سفيان بن عيينة يرويه عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا، قال الترمذي: «وكأن حديث ابن عيينة عنده أصح». 2 وقال أبو داود :«رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن النبي ﷺ لم يذكر ابن عباس».3 وقال النسائي «الصواب مرسل».4 وكذلك قال أبو حاتم،5 وهو الذي رجحه الإشبيلي،6 والعدوي مع بعض الباحثين،7 وأعله ضياء الرحمن،8 وضعفه الألباني «333».9
رواه الدارمي «2408».1 وأبو داود «4546».2 والترمذي «1388».3 والنسائي «6978».4 والبيهقي «16261».5 عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه.
محمد بن مسلم مختلف فيه؛ وثقه ابن معين، لكنه قال في رواية: إذا حدث من حفظه يخطئ، وضعفه أحمد، ولذلك لم يحتمل النقاد مخالفته لسفيان بن عيينة في هذا الحديث، لا سيما وأن سفيان إمام حافظ أثبت منه في عمرو بن دينار.
والصحيح عن عمرو بن دينار الإرسال؛ فرواه الترمذي من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ، ولم يذكر ابن عباس، ولهذا قال الترمذي: «ولا نعلم أحدا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم».6
ورواه عبد الرزاق «18496».7 عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قتل مولى لبني عدي بن كعب رجلا من الأنصار، فقضى النبي ﷺ في ديته اثني عشر ألف درهم، وقال: وهو الذي يقول: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله}.
وهذا الوجه المرسل مهم أيضًا من جهة المتن؛ فإن رواية أبي داود الموصولة ظاهرها أن رجلا من بني عدي هو المقتول، بينما الرواية المحفوظة عن ابن عيينة تقول: إن مولى لبني عدي هو الذي قتل رجلا من الأنصار، فجعل النبي ﷺ دية الأنصاري اثني عشر ألف درهم. وهذه الرواية جاءت بسياق أتم، وفيها التصريح بأن الاثني عشر ألفًا دراهم.
وقد روي عن سفيان بن عيينة موصولًا أيضًا؛ فرواه النسائي «4804».8 من طريق محمد بن ميمون المكي، عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، قال: «سمعناه مرة يقول عن ابن عباس أن النبي ﷺ قضى باثني عشر ألفا، يعني في الدية. لكن محمد بن ميمون نفسه بيّن أن سفيان إنما ذكر ابن عباس مرة واحدة، وأن أكثر روايته كانت: عن عكرمة، عن النبي ﷺ. وقال النسائي: «ابن ميمون ليس بالقوي».9 فهذه الرواية لا تقاوم رواية الحفاظ عن ابن عيينة مرسلة، بل في نفس لفظ راويها ما يدل على أن الإرسال هو الغالب المحفوظ عنه.
وقال ابن حزم: «والذي رواه مشاهير أصحاب ابن عيينة عنه في هذا الخبر فإنما هو عن عكرمة، لم يذكر فيه ابن عباس» ثم ساق رواية عبد الرزاق المرسلة.10 وقال ابن حجر بعد جمع الاختلاف: «قال ابن أبي حاتم عن أبيه: المرسل أصح» وذكر أن عبد الرزاق رواه عن ابن عيينة مرسلًا، وأن مشاهير أصحاب ابن عيينة كذلك رووه.11
فالحديث اختلف فيه على عمرو بن دينار: رواه محمد بن مسلم الطائفي عنه، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولًا، ورواه سفيان بن عيينة عنه، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا. وسفيان أحفظ وأثبت من محمد بن مسلم، وقد وافق روايته المرسلة مشاهير أصحابه، حتى إن الطريق الذي ورد عنه بالوصل صرح راويه بأن سفيان كان يرسله في أكثر الروايات. ولهذا اتفق ترجيح البخاري وأبي حاتم والنسائي على الإرسال، وهو الصواب.
(أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ) هذا لفظ الطريق الموصول، وظاهره أن المقتول رجل من بني عدي، لكن الرواية المرسلة المحفوظة أتم سياقًا، وفيها أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلًا من الأنصار، فينبغي التنبه إلى هذا الاختلاف في القصة (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ) الدية هي المال الذي يدفع بسبب الجناية على النفس، ويُسلَّم إلى أولياء المقتول، والضمير في «ديته» يعود على المقتول (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) جاء هذا العدد مجملًا في بعض الروايات، وفسرته الرواية المرسلة عن عكرمة بقولها: «اثني عشر ألف درهم» فالمراد اثنا عشر ألف درهم من الفضة، ولذلك أورد النسائي الحديث في باب «ذكر الدية من الورق» والورق هو الفضة.