تخريج حديث 1774: «ابْنَ آدَمَ، صَلِّ لِي أَرْبَعَ…»
عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
ابْنَ آدَمَ، صَلِّ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ.”
عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
ابْنَ آدَمَ، صَلِّ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ.”
أصلحه أبو داود «1289».1 وأورده ابن حبان في صحيحه «2534».2 وقال الترمذي في شاهده من حديث أبي الدرداء وأبي ذر: «هذا حديث حسن غريب».3 وقال الذهبي عن حديث أبي الدرداء: «حسن، متصل الإسناد، شامي».4 وحسنه ابن حجر.5 وصححه الألباني،6 ومحققو المسند «22469».7 وآل عيد «1289».8 والعدوي «119».9 والحويني.10
لكن قال ابن عبد البر: «اختلف في هذا الحديث اختلافا كثيرا».11 وقال الشوكاني: «الحديث في إسناده اختلاف كثير».12
رواه أحمد «22469».1 والنسائي«468». 2 عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار رفعه.
جاء عند البخاري تصريح كثير بن مرة بالسماع من نعيم، فقال في رواية بشر بن السري، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية: «حدثني كثير بن مرة، سمع نعيم بن همار، سمع النبي ﷺ».3 فهذا طريق متصل صحيح، ورجاله ثقات.
ورواه أبو داود «1289».4 والبخاري في «التاريخ الكبير».5 من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار رفعه. وفي رواية أحمد «22470».6 أسقط سعيد بن عبد العزيز كثير بن مرة، فرواه عن مكحول، عن نعيم، وهذا منقطع؛ فإن مكحول لم يسمع من نعيم، والمحفوظ في هذا الطريق إثبات كثير بن مرة بينهما، كما رواه جماعة عن سعيد. وقد نبه ابن عبد البر على أن مكحول لم يسمع من نعيم.7
ورواه النسائي «466».8 من طريق بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار رفعه. وهذا يؤكد أن كثير بن مرة هو الواسطة المحفوظة عن نعيم في جماعة من الطرق. لكن بقية مدلس ويعتد به كمتابع.
ورواه الدارمي «1492».9 والنسائي «467».10 وأحمد «22471».11 عن بَرد بن سنان، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي، عن نعيم بن همار رفعه. فزاد سليمان بن موسى قيسا الجذامي بين كثير ونعيم، وقد نبه النسائي إلى هذا الاختلاف فقال: «أدخل مكحول بين كثير بن مرة، وبين نعيم قيسا الجذامي».12 وقيس الجذامي له صحبة، فلا يضر الإسناد من هذه الجهة، غير أن الطريق السابق عن معاوية بن صالح أثبت تصريح كثير بالسماع من نعيم، فيحتمل أن يكون كثير قد سمعه من نعيم وسمعه أيضا بواسطة قيس، فلا يلزم من ثبوت الوجهين إعلال أحدهما.
وله طريق آخر عن نعيم؛ رواه ابن حبان من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن نعيم بن همار الغطفاني، عن النبي ﷺ.13 وفيه تصريح أبي إدريس بالسماع من نعيم في رواية البخاري، لكن فيه الوليد بن مسلم.
وقد جمع البخاري طرق الحديث في ترجمة نعيم، فذكر طريق بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، وطريق سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن كثير، وطريق معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير مع التصريح بالسماع، وطريق أبي إدريس عن نعيم، كما ذكر الطريق الذي أدخل قيسا الجذامي، وبعض الوجوه التي جعلت نعيمًا يرويه عن عقبة بن عامر.14 فهذا يدل على أن الاختلاف محفوظ معروف عند النقاد، لكنه لا يوجب رد أصل الحديث مع تعدد الطرق الصحيحة إليه.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء وأبي ذر رضي الله عنهما؛ رواه الترمذي «475».15 من طريق إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر رفعاه، عن الله تعالى: «ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».16 وإسماعيل بن عياش قوي في روايته عن الشاميين، وهذا الإسناد شامي كله.
ورواه أحمد «27480».17 عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد وغيره، عن أبي الدرداء بنحوه، لكن هذا الوجه منقطع؛ لأن شريح بن عبيد لم يدرك أبا الدرداء.
فالحديث وإن وقع اختلاف كثير في بعض طرق نعيم بن همار، فقد ثبت عنه من طريق معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة مع ثبوت سماع كثير من نعيم، وجاء من طريق مستقل عن أبي إدريس الخولاني عن نعيم، وتابع ذلك حديث أبي الدرداء وأبي ذر بإسناد حسنه الترمذي والذهبي، فالراجح صحة الحديث.
(يَا ابْنَ آدَمَ) خطاب لبني آدم جميعًا، والمقصود حث العبد على المبادرة بطاعة الله في أول يومه (صَلِّ لِي) أي أخلص لي الصلاة وحدي، فاللام للاختصاص والإخلاص، وفيه أن هذه الصلاة عبادة يتقرب بها إلى الله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي أربع ركعات من الصلاة، وقد اختلف العلماء في تعيينها؛ فذهب جماعة إلى أنها أربع ركعات من صلاة الضحى، ولذلك أورد أبو داود الحديث في «باب صلاة الضحى»، وبوب ابن حبان عليه: «ذكر الاستحباب للمرء أن يصلي صلاة الضحى أربع ركعات رجاء كفاية آخر النهار به»، وذهب ابن تيمية إلى أن المراد ركعتا سنة الفجر وركعتا فرض الصبح، ونقل ابن القيم عنه: «هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها».1 والأظهر حملها على صلاة الضحى؛ لأن أول النهار يشمل ما بعد طلوع الشمس، ولصنيع جماعة من أصحاب السنن في إيراده في أبواب الضحى، مع بقاء احتمال صلاة الصبح وسنتها (أَوَّلَ النَّهَارِ) أي في الجزء الأول منه، وليس المراد اللحظة الأولى فقط، بل ما صدق عليه أنه من أوله (أَكْفِكَ آخِرَهُ) أي أتولى كفايتك بقية يومك، وحفظك فيما يعرض لك، وقد قيل: أكفك الآفات والحوادث، وقيل: أحفظك من الذنوب، واللفظ أعم من ذلك كله، فتكون الكفاية في مصالح دينه ودنياه على ما يشاء الله تعالى.
في الحديث فضل افتتاح النهار بالصلاة والطاعة، وفضل أربع ركعات في أوله، وأن من صدق في عبادة الله أول يومه وعده الله بالكفاية في آخره.
وفيه الحث على صلاة الضحى والمحافظة عليها على أحد أقوى تفسيرات الحديث.
وفيه أن بركة أول النهار تمتد إلى آخره، وأن العبد كلما قدم حق الله قدم الله له من الكفاية والعناية ما لا يبلغه بتدبيره وحده.