تخريج حديث 1776: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا؛ فَإِنَّ…»
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.”
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.”
أصلحه أبو داود «1416».1 وقال الترمذي :«حديث حسن».2 وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه «1067».3 وحسنه البغوي،4 وأورده الضياء في المختارة «504».5 وجزم به المنذري،6 وحسنه الوادعي،7 وضياء الرحمن،8 وصححه الألباني لغيره.9
لكن رجح الترمذي وقفه «454».10 وسليمان العلوان،11 وآل عيد.12
رواه أبو داود «1416».1 وأحمد «877».2 عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رفعه.
ورواه الترمذي «453».3 وابن ماجه «1169». 4 والنسائي«1675». 5 وابن خزيمة «1067».6 عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وفيه قول علي: «الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة» ثم قوله ﷺ: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن».
ولم يتفرد أبو بكر بن عياش بهذه الزيادة عن أبي إسحاق؛ فرواه أحمد «1214».7 عن جرير، عن منصور بن المعتمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي رفعه: «إن الله عز وجل وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن».8 وقد أشار الترمذي إلى هذه المتابعة فقال: «وقد روى منصور بن المعتمر عن أبي إسحاق نحو رواية أبي بكر بن عياش».9
ورواه عبد الله في زوائده «1232».10 من طريق علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بلفظ: «الوتر ليس بحتم، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ، فأوتروا يا أهل القرآن»، فثبت الأمر بالوتر من طريق آخر عن أبي إسحاق وإن لم يذكر فيه جملة «إن الله وتر يحب الوتر».
ورواه أحمد «786».11 من طريق أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي وفيه: «إن الله عز وجل وتر يحب الوتر» ولم يذكر الأمر لأهل القرآن. فهذه الطرق يفسر بعضها بعضًا، وتثبت أن أبا بكر بن عياش لم ينفرد بجملتي الحديث جميعًا.
وقد تتبع الدارقطني الاختلاف في حديث عاصم بن ضمرة، فذكر ممن رواه عن أبي إسحاق: منصور بن المعتمر، وسفيان الثوري، وشعبة، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل، وزهيرًا، وابن عيينة، وشريكًا، وعلي بن صالح، وأبا بكر بن عياش وغيرهم، وقال: «واتفقوا على قول واحد، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي».12 وهذا يقوي أصل الطريق عن عاصم، وإن اختلفت الروايات في مقدار ما ساقه كل راو من المتن.
أبو إسحاق السبيعي عُرف بالتدليس، وتكلم في تغير حفظه بآخره، إلا أن ذلك لا يضر أصل هذا الحديث؛ فقد رواه عنه شعبة وسفيان الثوري، وهما ممن روى عنه قديمًا قبل تغيره، ورواية شعبة عنه خاصة مأمونة من تدليسه؛ فقد قال شعبة: «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة». 13
وصرح أبو إسحاق بالسماع من عاصم في رواية شعبة؛ فرواه أحمد «842».14 عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: «سمعت عاصم بن ضمرة» وروى عاصم الحديث عن علي رضي الله عنه لكنه موقف.
وقد قال السناري في مناقشة هذه العلة: «أما عن اختلاط أبى إسحاق: فقد نازع الذهبى في صحته، وعلى صحته، فقد رواه عنه شعبة والثورى وهما ممن سمع منه قبل تغيره بالاتفاق، وأما عن عنعنته: فقد رواه عنه شعبة...» ثم نقل قول شعبة: «كفيتكم تدليس ثلاثة...».15
لكن رواية شعبة التي صرحت بالسماع جاءت بلفظ أصل الحديث: «إن الوتر ليس بحتم... ولكنه سنة فلا تدعوه» ولم أقف فيها على جملة «أوتروا يا أهل القرآن» نفسها. ولذلك نقول: إنها تثبت سماع أبي إسحاق من عاصم وتقوي أصل الطريق، ولا نجعلها وحدها تصريحًا بالسماع في خصوص زيادة «أوتروا يا أهل القرآن». وهذه الزيادة إنما تقوى بتعدد من رواها عن أبي إسحاق؛ كأبي بكر بن عياش ومنصور بن المعتمر وغيرهما.
واختلف أصحاب أبي إسحاق السبيعي في رفع موضع الشاهد ووقفه؛ فرواه سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي موقوفًا: «الوتر ليس بحتم مثل الصلاة، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ» رواه أحمد «652».16 والترمذي «454».17 وقال الترمذي عقب رواية سفيان: «وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش» «454».18
ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي موقوفًا: «ليس الوتر بحتم كالصلاة، ولكنه سنة فلا تدعوه» رواه أحمد «842».19 وفي رواية أحمد تصريح أبي إسحاق بقوله: «سمعت عاصم بن ضمرة».
وشعبة والثوري مقدمان في أبي إسحاق؛ فقد قال أحمد: «ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري، قال: وشعبة أقدم سماعا من سفيان».20 فخلو روايتهما من رفع موضع الشاهد قرينة معتبرة.
والأقوى في بيان الوقف أن موضع الشاهد نفسه رواه جماعة عن أبي إسحاق في سياق كلام علي؛ فرواه إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي قال: «الوتر ليس بحتم، ولكنه سنة حسنة عن رسول الله ﷺ، إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» رواه أبو داود الطيالسي «89».21 فلم يفصل إسرائيل جملة «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» برفع إلى النبي ﷺ، بل ساقها من قول علي رضي الله عنه. وإسرائيل من خاصة أصحاب جده أبي إسحاق، وروايته عنه قوية.
ورواه زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي قال: «إن الوتر ليس بحتم، ولكنه سنة من رسول الله ﷺ، وإن الله عز وجل وتر يحب الوتر» موقوفًا، رواه أحمد «786».22
ورواه علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي قال: «إن الوتر ليس بحتم، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ، فأوتروا يا أهل القرآن» موقوفًا. رواه عبد الله في زيادته. «1232». 23
فهذه الروايات أقوى في الدلالة على الوقف من مجرد سكوت شعبة والثوري عن موضع الشاهد؛ لأن إسرائيل وزهيرًا وعلي بن صالح رووا الجملة أو بعضها في سياق كلام علي رضي الله عنه، مع كون رواية الثوري التي وقفت أصل الحديث.
والراجح أن رفع قوله: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» عن علي رضي الله عنه غير محفوظ، وأن المحفوظ وقفه عليه؛ لأن الوقف جاء عن جماعة من أصحاب أبي إسحاق، وفيهم من هو من أثبت الناس فيه، ولترجيح الترمذي رواية سفيان، مع ورود موضع الشاهد نفسه موقوفًا من رواية إسرائيل وزهير وعلي بن صالح.
وله شاهد عن عبد الله بن مسعود؛ رواه أبو داود «1417». 24 من طريق عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ بمعناه، وفيه: «إن الله وتر يحب الوتر، أوتروا يا أهل القرآن». لكن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، فالطريق منقطع، وقد رجح الدارقطني إرساله.25
وأما جملة «إن الله وتر يحب الوتر» فهي ثابتة من غير حديث علي أيضًا؛ ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أسماء الله: «وهو وتر يحب الوتر».26، فيبقى محل البحث الخاص في حديث علي هو ضم الأمر: «فأوتروا يا أهل القرآن» إليها، والراجح الوقف.
(يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) أي يا أهل العناية بالقرآن من تلاوة وحفظ واتباع، وخصوا بالخطاب لشرفهم ولأنهم أولى الناس بالقيام بما يرشد إليه القرآن من العبادة، ولا يعني تخصيصهم أن الوتر غير مشروع لغيرهم (أَوْتِرُوا) أي صلوا صلاة الوتر، وهي الصلاة التي تختم بها صلاة الليل بعدد فرد، والأمر هنا للاستحباب المؤكد لا للوجوب؛ لأن عليًا رضي الله عنه قدم الحديث بقوله: «الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة» (فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ) الوتر هو الفرد، أي أن الله واحد لا شريك له ولا مثيل، وهو سبحانه وتر على ما يليق بجلاله (يُحِبُّ الْوِتْرَ) أي يحب ما شرعه من العبادات الوترية، والمقصود هنا بخصوص السياق صلاة الوتر، وليس معنى الحديث أن كل شيء فرد في العدد يكون محبوبًا شرعًا من غير دليل، وإنما المحبة تتبع ما شرعه الله.