تخريج حديث 1778: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ…»
عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :
لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا.”
عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :
لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا.”
مداره على الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها، ورواه عن الزهري جماعة من أصحابه.
فرواه أحمد «27272».1 والبخاري «2692».2 ومسلم «2605».3 والنسائي «8588».4 عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن حميد، عن أمه أم كلثوم مرفوعًا.
ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري بهذا الإسناد؛ رواه البخاري في الأدب المفرد «385».5 ومسلم «2605».6 بلفظ: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرا وينمي خيرا». وفي رواية يونس تصريح الزهري بقوله عقب الحديث: «ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ».7 ففصل يونس بين الحديث المرفوع وبين كلام الزهري
ورواه معمر، عن الزهري، عن حميد، عن أمه؛ رواه مسلم «2605».8 وأبو داود «4920».9 والترمذي «1938».10
فالحديث محفوظ عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه أم كلثوم، وقد رواه عنه صالح بن كيسان ويونس ومعمر ومالك وشعيب والزبيدي وغيرهم، واختلفت ألفاظهم اختلافًا يسيرًا لا يضر؛ فتارة: «فينمي خيرا أو يقول خيرا» وتارة: «فيقول خيرا أو ينمي خيرا»، وتارة: «فقال خيرا أو نمى خيرا»، والمعنى واحد.
وتوجد علة في الزيادة التي تروى عقب الحديث: «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس من الكذب إلا في ثلاث...» فقد جعلها بعض الرواة من كلام أم كلثوم، لكن يونس بن يزيد فصلها فقال بعد الحديث: «قال ابن شهاب ولم أسمع».11 وقال النسائي بعد ذكر اختلاف الروايات: «يونس أثبت في الزهري».12 وجزم جماعة بإدراجها من كلام الزهري.13 وهذا لا يضر أصل حديث الباب: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس...» فإنه صحيح محفوظ بلا إشكال.
(لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) ليس داخلًا في الكذب المذموم من أراد الإصلاح بين المتخاصمين، فاستعمل الكلام الحسن الذي يزيل العداوة ويجمع القلوب، ولا يكون كذبا صريحا وإنما بمالمعاريض (فَيَنْمِي خَيْرًا) ينقل من كلام كل طرف أحسنه، ويترك الشر والغلظة، فيقول: فلان يذكرك بخير، أو يحب الصلح معك، أو ندم على ما كان، مما يقرب النفوس ولا يوقع ظلمًا (أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) ينشئ كلامًا حسنًا يقصد به الصلح وإطفاء الفتنة، لا خداعًا ولا أكلًا للحقوق.
في الحديث أن الشريعة لا تجعل الصدق آلة لتمزيق القلوب إذا أمكن الإصلاح بالمعاريض والكلام الحسن، لكن هذا ليس إذنًا بالكذب لأخذ حق أو إسقاط واجب أو تثبيت باطل، وإنما هو رخصة في إصلاح ذات البين. فمن نقل الشر كاملًا أو زاد عليه أو فرح بتأجيج الخصومة فهو من جنود الفتنة، ومن حمل الخير بين الناس كان من مفاتيح الرحمة.