أتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقي صليبٌ، فقال: يا عَدِي، اطْرَحْ هذا الوَثَنَ مِنْ عُنقِكَ، فطَرَحتُه، فانتهيتُ إليه وهو يقرأُ في سورةِ براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} فقلتُ: إنَّا لَسْنا نَعبدُهم، قال النبيُّ ﷺ: يُحرِّمونَ ما أَحلَّ اللَّهُ، فتُحرِّمونَ، ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فتَستحِلُّونَ؟. قلتُ: بلى، قال: فتِلْكَ عبادتُهُمْ.
لكن قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث».4 وقال الذهبي: «غطيف ضعفه الدارقطني، وقيل: غضيف».5
المصادر والمراجع
1مجموع الفتاوى (7/ 67)
2سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (7/ 861)
3الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (10/ 372)
4سنن الترمذي (5/ 173)
5المهذب في اختصار السنن الكبير (8/ 4108)
تخريج الحديث
رواه البخاري في التاريخ الكبير،1 ويعقوب بن سفيان «132».2 والترمذي «3095».3 والطبري،4 والطبراني «218».5 والبيهقي «20376».6 من طرق عن عبد السلام بن حرب، عن غُطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم مرفوعًا. ولفظ الطبري: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم».
وهذا هو الطريق الأشهر، ومداره على غطيف بن أعين، وقد تفرد به عن مصعب بن سعد؛ قال الدارقطني: «تفرد به غطيف الجزري عن مصعب، وتفرد به عبد السلام بن حرب عنه».7 وقال الترمذي: «غطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث».8.
ورواه الطبري،9 والطبراني «219».10 من طريق بقية بن الوليد، عن قيس بن الربيع، عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف به، وهذا ليس طريقًا مستقلًا؛ إذ يرجع إلى عبد السلام عن غطيف، وفيه مع ذلك بقية بن الوليد وقيس بن الربيع.
وله طريق آخر؛ رواه ابن سعد11 من طريق محمد بن عمر الواقدي، عن أبي مروان، عن أبان بن صالح، عن عامر بن سعد، عن عدي بن حاتم بنحوه. ولكنه لا يصلح لجبر الطريق الأول؛ لأن محمد بن عمر الواقدي متروك عند أئمة الحديث، فلا ينهض إسناده للاعتبار.
وذكر الزيلعي طريقًا آخر عند ابن مردويه من رواية عمران القطان، عن خالد العبدي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عدي بن حاتم.12 لكن خالد العبدي مجهول أو شديد الضعف، فلا ينهض هذا الطريق وحده لتصحيح الخبر.
وقد حسن الألباني الحديث بمجموع هذه الطرق، مع إقراره بأن طريق غطيف نفسه معلول بجهالته «3293».13 لكن الظاهر أن الطريقين الآخرين لا يقويان طريق غطيف؛ فطريق الواقدي شديد الضعف، وطريق ابن مردويه لا يخلو من مجهول، ولذلك فالتوقف عن تحسين المرفوع أقرب.
وأما معنى الحديث فثابت عن حذيفة رضي الله عنه؛ رواه الطبري من طريق سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة أنه سئل عن قوله تعالى: «{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله}: أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه».14 وروي نحوه عن أبي البختري نفسه من وجوه أخرى. وهذا يقوي صحة تفسير الآية من جهة المعنى، لكنه لا يكفي وحده لإثبات رفع حديث عدي.
فالراجح أن الحديث مشهور من رواية عدي، لكن إسناده المرفوع لا يخلو من مقال، وأقوى طرقه طريق غطيف وهو مجهول الحال، وما جاء من الطرق الأخرى لا يسلم من ضعف شديد أو جهالة؛ ولذلك فالحكم عليه بالضعف أقرب من تحسينه، مع صحة معناه وثبوته موقوفًا عن حذيفة رضي الله عنه.
المصادر والمراجع
1التاريخ الكبير للبخاري (8/ 202 ت الدباسي والنحال)
2مشيخة يعقوب بن سفيان الفسوي (ص105)
3سنن الترمذي (5/ 173)
4تفسير الطبري (11/ 417)
5المعجم الكبير للطبراني (17/ 92)
6السنن الكبير للبيهقي (20/ 340 ت التركي)
7أطراف الغرائب والأفراد (4/ 230)
8سنن الترمذي (5/ 173)
9تفسير الطبري (11/ 418)
10المعجم الكبير للطبراني (17/ 92)
11الطبقات الكبير (6/ 219 ط الخانجي)
12تخريج أحاديث الكشاف (2/ 66)
13سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (7/ 861)
14تفسير الطبري (11/ 418)
شرح الحديث
(وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ) كان عدي رضي الله عنه نصرانيًا قبل إسلامه، والصليب شعار للنصارى، فلما رآه النبي ﷺ أمره بإزالته فقال: (اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ) أي ألق هذا الصليب ولا تتخذه شعارًا أو معلقًا (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) الأحبار علماء اليهود والرهبان عباد النصارى، وليس المراد أنهم كانوا يسجدون لهم فحسب، بل كانوا يتبعونهم في تبديل شرع الله (إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ) أي إذا جعل علماؤهم الحرام حلالًا اتبعوهم مع مخالفة حكم الله (وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) أي أطاعوهم في تحريم ما أحله الله، فكانت هذه الطاعة في التشريع نوعًا من اتخاذهم أربابًا.