قال الإمام أحمد: «هذا الحديث منكر جدًّا، أو موضوع، أو كأنه موضوع».1 وذكره العقيلي ضمن مناكير عثمان بن أبي شيبة،2 وذكره ابن عدي ضمن مناكير عبد الله بن محمد بن عقيل،3 وقال أبو الفتح الأزدي: «تفرد به جرير الرازي، إن كان عثمان بن أبي شيبة حفظه فإنه لم يتابع عليه».4 وقال الدارقطني عن الطريق الموصول: «ويقال: إنه وهم في إسناده» ثم قال عن المرسل: «وهو الصواب».5 وقال ابن الجوزي: «وإنما يتأول هذا الحديث إن لو صح، وفيه علل».6 وقال ابن كثير: «أنكره غير واحد من الأئمة على عثمان بن أبي شيبة».7 وقال الهيثمي :«فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح».8 وقال ابن حجر: «هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا» ثم جعل موضع النكارة في المتن قوله: «عهده باستلام الأصنام».9 وحكم عليه السناري بالنكارة «1877».10 وضعفه حسين أسد «1877».11 وذكره باشنفر في أوهام المحدثين الثقات «1087».12
المصادر والمراجع
1الجامع لعلوم الإمام أحمد - علل الحديث (14/ 66)
2الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 222)
3الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 207)
4تاريخ بغداد (13/ 165 ت بشار)
5علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية (13/ 371)
6العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/ 167)
7البداية والنهاية (3/ 449)
8مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/ 23)
9المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (17/ 216)
10مسند أبي يعلى - ت السناري (3/ 356)
11مسند أبي يعلى (3/ 398 ت حسين أسد)
12أوهام المحدثين الثقات (9/ 157)
تخريج الحديث
رواه أبو يعلى «1877».1 والعقيلي،2 وابن عدي،3 والخطيب،4 من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر به.
وهذا الوجه هو الذي أنكره أحمد وغيره، وقد تفرد عثمان بن أبي شيبة عن جرير بروايته على هذا الإسناد؛ قال ابن عدي: «إنما نحفظ عن الثوري حديث جرير عنه، وعن جرير عثمان بن أبي شيبة، وهذا الحديث بهذا الإسناد يعرف بابن أبي شيبة».5 وقال الخطيب: «وأما حديث الثوري فلا أعلم رواه عن جرير غير عثمان».6
لكن اختلف على عثمان نفسه في تعيين شيخ جرير؛ فرواه أبو زرعة الرازي عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير، عن ابن عقيل، عن جابر، فجعل شيخ جرير سفيان بن عبد الله لا سفيان الثوري. وقال الخطيب بعد روايته: «وعندي أن هذا أشبه بالصواب».7. وسفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير لا يعرف؛ قال ابن حجر: «سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير … لا يعرف».8
بل جاء عقب الحديث في «مسند أبي يعلى» وجه آخر مرسل «1878».9 عن عثمان، عن جرير، عن سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير، عن النبي ﷺ بنحوه، بإسقاط ابن عقيل وجابر. وقد نقل الدارقطني هذا الاختلاف وحكم بأن الموصول عن الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر وَهْم، فقال: «وغيره يرويه عن جرير، عن سفيان بن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير، مرسلا «وهو الصواب».10
فهذه علة قادحة؛ لأن الاختلاف ليس مجرد رفع ووقف يسير، بل وقع في تعيين شيخ جرير نفسه: أهو سفيان الثوري، أم سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير؟. ثم وقع اختلاف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني الوجه المرسل، وهو إمام هذا الشأن.
وأما عبد الله بن محمد بن عقيل فضعيف،11 لكن ضعف ابن عقيل ليس هو العلة الأصلية هنا؛ فإن الخبر معلول قبل الوصول إليه بالاختلاف الشديد على عثمان بن أبي شيبة في إسناده.
كما أن لفظ: «وإنما عهده باستلام الأصنام» مضطرب؛ ففي رواية أبي زرعة التي جعل فيها شيخ جرير سفيان بن عبد الله جاء الخبر دون هذه الجملة فيما ساقه الخطيب.12.
فالراجح أن الرواية الموصولة عن سفيان الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر منكرة، وأن عثمان بن أبي شيبة وَهِم في إسنادها، والمحفوظ عند الدارقطني أنها مرسلة من طريق سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير، وهو مجهول؛ فلا يصح الخبر مرفوعًا ولا يثبت أصل القصة بهذا الإسناد.
ومن العلماء من تأول المتن، قال الطبراني :«وإنما عهده باستلام الأصنام: يعني أنه حضر مع من استلم، لا أنه هو استلم، قال: وكان ذلك قبل أن يوحى إليه» نقله عنه البيهقي.13
محمد بن عثمان بن أبي شيبة أبو جعفر العبسي، قال صالح جزرة: ثقة. وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا فأذكره. وأما عبد الله بن أحمد بن حنبل، فقال: كذاب. وقال عبد الرحمن بن خراش: كان يضع الحديث. وقال مطين: هو عصا موسى، يتلقف ما يأفكون. وقال أبو الحسن الدارقطني: إنه أخذ كتاب غير محدث. وقال أبو بكر البرقاني: لم أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه. وعن عبدان، قال: لا بأس به. قال أبو الحسين بن المنادي: كنا نسمع الشيوخ يقولون: مات حديث الكوفة لموت محمد بن أبي شيبة، ومطين، وموسى بن إسحاق، وعبيد بن غنام.14
أما اتهامه بالكذب ففيه مبالغة كبيرة، إذ لم يثبت عنه الكذب، وقد يخطئ لكثرة روايته، ولا شك أنه تفرده بنقل توثيه يوهن تعديل الراوي في مثل ونحو هذا الخبر. كما يخشى أن ابن المديني نفسه اعتمدا على القول بأن الإمام مالك لا يروي إلا عن ثقة، فهو كان يقول :«كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء، ولا أعلم مالكا ترك إنسانا إلا إنسانا في حديثه شيء».15 مع أنه ترك التحديث عن سعد بن إبراهيم وهو ثقة. فمثل هذه الإطلاق ينتبه إليها.
المصادر والمراجع
1مسند أبي يعلى (3/ 398 ت حسين أسد)
2الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 222)
3الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 207)
4تاريخ بغداد (13/ 165 ت بشار)
5الكامل في الضعفاء (5/ 206)
6تاريخ بغداد (13/ 163-164 ت بشار)
7تاريخ بغداد (13/ 165 ت بشار)
8لسان الميزان (4/ 91)
9مسند أبي يعلى (3/ 400)
10علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية (13/ 371)
11الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 205)
12تاريخ بغداد (13/ 165 ت بشار)
13دلائل النبوة - البيهقي (2/ 36)
14سير أعلام النبلاء (14/ 21)
15الكامل في ضعفاء الرجال (1/ 177)
شرح الحديث
(يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ) أي يحضر بعض المواطن والاجتماعات التي يجتمعون فيها، وليس في اللفظ بمجرده أنه كان يشاركهم في عبادتهم، وقد جعل ابن حجر عنوان الباب: شهوده مشاهد المشركين قبل البعثة منكرًا عليهم. (وَإِنَّمَا عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ) الاستلام هو اللمس والمسح، وظاهر العبارة يوهم أنه ﷺ باشر ذلك، ولهذا استنكرها ابن حجر، وفسرها الطبراني بأن المراد أنه شهد المشركين وهم يستلمون أصنامهم. (فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ) أي على فرض صحة الخبر امتنع بعد ذلك من حضور تلك المواطن؛ لكن الخبر لا يثبت كما تقدم.