تخريج حديث 1784: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ…»
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْقَزَعِ.”
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْقَزَعِ.”
يروى الحديث عن عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما من طريقين صحيحين مشهورين: طريق نافع مولى ابن عمر، وطريق عبد الله بن دِينار، عنه.
فأما طريق نافع؛ فرواه البخاري «5920».1 ومسلم «2120».2 وأبو داود «4194».3 وابن ماجه «3637».4 من طريق عُبيد الله بن عُمر، عن عُمر بن نافع، عن أبيه نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله ﷺ عن القزع». وفي رواية مسلم قال نافع في تفسيره: «يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضًا».
وقد وقع اختلاف على عُبيد الله بن عُمر في ذكر عُمر بن نافع بينه وبين نافع؛ فرواه جماعة عن عبيد الله، عن عمر بن نافع، عن نافع، ورواه آخرون عن عبيد الله، عن نافع مباشرة.
فممن أثبت عُمر بن نافع: مَخلد بن يزيد وهشام بن سليمان وأبو قُرة عن ابن جريج، ورواه يحيى بن سعيد القطان كذلك عن عبيد الله، عن عمر بن نافع، عن نافع عند مسلم. ورواه آخرون بإسقاط عمر، منهم سفيان بن عيينة والمُعتمر بن سليمان ومحمد بن عبيد. وقد حكى الدارقطني هذا الاختلاف«2967».5 ورجح النسائي في الاختلاف على الثوري إثبات عُمر بن نافع.6
وهذا الاختلاف لا يضر أصل الحديث؛ لأن عُبيد الله بن عُمر قد سمع من نافع وأكثر عنه، وعُمر بن نافع ثقة يروي عن أبيه، فالطريق صحيح على الوجهين، وإنما البحث في تعيين الواسطة في بعض الروايات.
وقد رواه مَعمر، عن أَيوب، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ أبين في معنى القزع؛ رواه أبو داود «4195».«4195».7 من حديث ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك، فقال: احلقوه كله، أو اتركوه كله». وإسناده صحيح.
وقد ذكر الدارقطني أن مَعمرًا كان يروي حديث أيوب هذا تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا.8 غير أن هذا لا يقدح في أصل النهي المرفوع؛ لأنه ثابت من طرق أخرى مستقلة عن ابن عمر، وأصحها طريق نافع وطريق عبد الله بن دينار.
وأما الطريق الثاني؛ فرواه البخاري «5921».9 من طريق عبد الله بن المُثنى، عن عبد الله بن دِينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع». ورواه أحمد «5356».10 أيضًا من طريق وَرْقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر باللفظ نفسه. فهذا طريق مستقل صحيح يؤكد ثبوت الحديث، ولا تعلق له بالاختلاف الواقع في إسناد نافع.
فالحديث ثابت صحيح بلا إشكال، وقد اجتمع له عن ابن عمر طريق نافع وطريق عبد الله بن دينار، وتضافرت روايات نافع على تفسير القزع بأنه حلق بعض الرأس وترك بعضه، وجاءت الرواية الصحيحة الأخرى بالأمر الصريح: «احلقوه كله أو اتركوه كله».
(نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ) النهي للكراهة في الأصل (الْقَزَعِ) بفتح القاف والزاي: أن يحلق الإنسان بعض شعر رأسه ويترك بعضه، وسمي بذلك تشبيهًا بقِطَع السحاب المتفرقة؛ فإن القَزَعة هي القطعة من السحاب.
القزع منهيٌّ عنه، وهو مكروه كراهة تنزيه عند جمهور أهل العلم، وقد حكى النووي الإجماع على كراهته في الجملة. وليس كل قزع محرّمًا لذاته، بل قد ينتقل إلى التحريم إذا اقترن به معنى آخر محرّم، كالتشبه بالكفار أو بأهل الفسق إذا كانت الهيئة من خصائصهم.
وقد ذكر ابن القيم1 للقزع أربعة أنواع:
أن يحلق مواضع متفرقة من الرأس ويترك مواضع.
يحلق وسط الرأس ويترك جوانبه.
يحلق جوانبه ويترك وسطه.
يحلق مقدمه ويترك مؤخره.
والقزع يكون بالحلق، أي باستعمال الموسى، وليس التقصير الذي يكون بالمقص، لكن قد يمنع أيضا تقصير بعض الرأس دون بعض إن كان شديدا أشبه بالحلق، أو كان تشبها بالكفار، فالتشبه بهم في كل تسريحة حرام.
والعلة في القزع قيل هي المثلة وتشويه الخلق، وقيل زي اليهود، وقيل تشبه بالشيطان، -ولا أعلم له دليلا- وقيل العدل، فمن كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا، ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل فإنه ظلم لبعض بدنه، ونظيره نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما.2