قال الألباني عن إسناد حديث أنس: «الإسناد صحيح، على خلاف في سماع هارون بن رئاب من أنس».1 وحسن المنذري حديث المِقدام بن مَعْدي كَرِب الذي فيه: «وصورة يوسف» فقال: «إسناده حسن».2 وقال البوصيري في الطريق نفسه: «إسناده حسن».3
المصادر والمراجع
1السلسلة الصحيحة (6/ 46 رقم 2512 ط مكتبة المعارف)
2الترغيب والترهيب (4/ 364)
3إتحاف الخيرة المهرة (8/ 268 ط دار الوطن)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي الدنيا1 من طريق رَوَّاد بن الجَرَّاح، عن الأَوْزاعي، عن هارون بن رِئاب، عن أنس بن مالك، مرفوعًا.2
وهذا الطريق معلول من وجهين:
الأول: رَوَّاد بن الجَرَّاح، وهو مختلف فيه، وقد اشتد كلام جماعة من النقاد فيه؛ فقال البخاري: «كان قد اختلط، لا يكاد يقوم حديثه».3 قال النسائي: «ليس بالقوي، روى غير حديث منكر، وكان قد اختلط». وقال يعقوب بن سفيان: «ضعيف الحديث». وقال الدارقطني: «متروك».4
والثاني: الاختلاف في سماع هارون بن رِئاب من أنس؛ فقد روى أبو نعيم من طريق عُمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن هارون، عن أنس، ثم قال: «رواه غيره عن الأوزاعي، عن هارون، فقال: حدثني من سمع أنسًا يذكره».5 وهذا يدل على أن بين هارون وأنس واسطة في بعض الروايات، فتقوى شبهة الانقطاع.
والأهم من ذلك أن رَوَّادًا خالفه جماعة عن الأوزاعي في لفظ الحديث؛ فرواه البخاري في التاريخ الكبير من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس، بلفظ: «أهل الجنة شباب جرد مرد مكحولون، ينتهى بهم إلى شجر الجنة فيكسون منها ثيابًا لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم»، ولم يذكر «على حسن يوسف».6
ورواه أبو بكر ابن أبي داود من طريق عُمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن هارون، عن أنس، بلفظ: «يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة، جردًا مردًا مكحلين، ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة...» ولم يذكر «حسن يوسف».7 وأخرجه الضياء من هذا الطريق.8
وجاء أيضًا عن نَصر بن الحَجَّاج، عن الأوزاعي، عن هارون، عن أنس: «يبعث أهل الجنة في صورة آدم، ميلاد ثلاثة وثلاثين، مردًا جردًا مكحلين»، ولم يذكر «حسن يوسف».9 فهذه الطرق عن الأوزاعي تشترك في أصل صفة أهل الجنة، ولا تذكر زيادة «على حسن يوسف»، وإنما انفرد بها رَوَّاد بن الجراح، وهو ممن لا يحتمل تفرده بمثل هذه الزيادة، ولا سيما مع مخالفته من هو أوثق منه.
وله شاهد من حديث المِقدام بن مَعْدي كَرِب رضي الله عنه بلفظ: «ما من أحد يموت سقطًا ولا هرمًا... فمن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب...» رواه الطبراني،10 وابن بِشران،11 والبيهقي،12 من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زِبريق، عن عَمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزُّبيدي، عن سُليم بن عامر، عن المقدام، مرفوعًا.
وهذا الطريق هو أقوى ما يستشهد به لذكر يوسف، إلا أن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء مختلف فيه؛ قال أبو حاتم: «شيخ لا بأس به» وأثنى عليه ابن معين خيرًا، لكن قال النسائي: «ليس بثقة»، وقال أبو داود: «ليس هو بشيء»، ونقل عن محمد بن عوف قوله: «ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق يكذب».13 فالإسناد لا يخلو من مقال شديد من جهته.
وله عن المقدام طريق آخر من رواية أبي يحيى الكُلاعي عنه، بلفظ: «في خلق آدم، وحسن يوسف، وقلب أيوب»، رواه أبو يعلى كما في «إتحاف الخيرة».14 وفي إسناده يزيد بن سِنان الرُّهاوي، وهو ضعيف؛ ضعفه أحمد وابن المديني والنسائي، وقال ابن معين: «ليس حديثه بشيء».15
وجاء عن أنس أيضًا بلفظ: «تدخلون الجنة مردًا مكحلين ذوي أفانين... أبناء ثلاثين على صورة يوسف وقلب أيوب» رواه ابن عساكر،16 وفي إسناده جماعة لم أقف لهم على توثيق معتبر، فلا يثبت به هذا اللفظ.
فطرق ذكر يوسف ترجع إلى ثلاثة أصول: طريق رَوَّاد عن الأوزاعي، وهو مخالف لمن روى الحديث عن الأوزاعي بدون هذه الزيادة؛ وطريق المقدام، وفي أشهر أسانيده إسحاق بن زِبريق المختلف فيه اختلافًا شديدًا، وفي طريقه الآخر يزيد بن سنان الضعيف؛ وطريق عبد الله بن عكيم، وفيه عُبيدة بن معتب وغيره من الضعفاء. فلا يظهر أن هذه الطرق يعضد بعضها بعضًا حتى تثبت هذه الصفة، لا سيما أن طريق رَوَّاد وقع فيه مخالفة محفوظة.
وأما أصل أن أهل الجنة يكونون على صورة آدم وطوله ستون ذراعًا فثابت صحيح؛ قال النبي ﷺ: «فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ».17
المصادر والمراجع
1صفة الجنة لابن أبي الدنيا (ص158 رقم 210 ت سليم)
2صفة الجنة لابن أبي الدنيا (ص158 رقم 210 ت سليم)
3التاريخ الكبير (3/ 336 ط دائرة المعارف العثمانية)
4تهذيب الكمال (9/ 230 ت بشار)
5حلية الأولياء (3/ 56 ط السعادة)
6التاريخ الكبير (8/ 219 ط دائرة المعارف العثمانية)
7البعث لابن أبي داود (ص57 رقم 65)
8الأحاديث المختارة (7/ 265 رقم 2717 ت عبد الملك بن دهيش)
9فوائد تمام الرازي (1/ 347)
10المعجم الكبير (20/ 280 رقم 663 ت حمدي السلفي)
11أمالي ابن بشران (2/ 244 رقم 1431)
12البعث والنشور (ص246 رقم 422 ت حيدر)
13إكمال تهذيب الكمال - ط العلمية (1/ 325 رقم 378)
14إتحاف الخيرة المهرة (8/ 267-268)
15تهذيب التهذيب (11/ 336)
16تاريخ دمشق (22/ 223 ط دار الفكر)
17صحيح البخاري (4/ 131 رقم 3326 ط السلطانية)
شرح الحديث
(عَلَى طُولِ آدَمَ) أي يكون أهل الجنة على طول أبيهم آدم عليه السلام، وقد ثبت في الصحيح أنه ستون ذراعًا (عَلَى حُسْنِ يُوسُفَ) أي على مثل ما أوتي يوسف عليه السلام من الحسن والجمال، وهذه الزيادة لا تثبت عندنا (عَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً) أي في سن ثلاث وثلاثين سنة، وقد جاءت سن أهل الجنة في أحاديث أخرى (جُرْدٌ) أي لا شعر على أجسادهم (مُرْدٌ) أي لا لحى لهم (مُكَحَّلُونَ) أي في أعينهم هيئة الكحل وحسنه من غير اكتحال.