احتج به مسلم بإخراجه في صحيحه،1 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس».2 وأورده ابن حبان في صحيحه.3
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (3/ 1685 رقم 2135 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن الترمذي (رقم 3155 ت بشار)
3صحيح ابن حبان (14/ 142 رقم 6250 ت شعيب الأرناؤوط)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي شيبة،1 وأحمد،2 ومسلم،3 والترمذي،4 والنسائي،5 والطبري،6 وابن حبان،7 والطبراني،8 من طرق عن عبد الله بن إدريس، عن أبيه إدريس بن يزيد الأَودي، عن سِماك بن حرب، عن عَلقمة بن وائل، عن المُغيرة بن شعبة، مرفوعًا بنحوه.
وقد تعددت الطرق إلى عبد الله بن إدريس؛ فرواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، وأبو سعيد الأَشج، ومحمد بن المُثنى، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى بن أيوب، ونوح بن حبيب وغيرهم، فاتفاق هؤلاء يدل على أن الحديث محفوظ عن ابن إدريس. والطبراني جمع عدة طرق إليه في موضع واحد، عن أحمد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن الأَصبهاني، وعِمران بن مَيسرة، ويحيى الحِمَّاني، كلهم عن عبد الله بن إدريس بهذا الإسناد.9
وعبد الله بن إدريس ثقة حافظ، وأبوه إدريس بن يزيد الأَودي ثقة، وسِماك بن حرب صدوق، وقد تكلم في بعض حديثه ولا سيما ما كان عن عكرمة، وليس هذا منه، وعَلقمة بن وائل صدوق من رجال مسلم، وقد ثبتت روايته عن المُغيرة بن شعبة؛ ولهذا انتقى مسلم هذا الحديث وأخرجه في صحيحه، وحكم الترمذي عليه بالحسن والصحة مع الغرابة.
وقال الترمذي عقب الحديث: «لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس».10 والمراد أن الطريق المعروف عنده عن إدريس بن يزيد، عن سِماك إنما رواه عبد الله بن إدريس. وكثرة من روى الحديث عن عبد الله بن إدريس لا ترفع هذا التفرد في طبقته، وإنما تثبت أن الحديث محفوظ عنه.
لكن روى الطبري وجهًا آخر فقال: حدثنا ابن حُميد، حدثنا الحَكم بن بَشير، حدثنا عمرو، عن سِماك بن حرب، عن عَلقمة بن وائل، عن المُغيرة بن شعبة، مرفوعًا بنحوه، ولفظه في آخره: «إنهم كانوا يسمون بأسماء من كان قبلهم».11 فهذا في الظاهر متابعة لعبد الله بن إدريس في الرواية عن سِماك، إلا أنها لا تصلح للاعتماد؛ لأن ابن حُميد هو محمد بن حُميد الرازي، وقد اشتد كلام النقاد فيه؛ فأشار أبو زرعة إلى أنه كان يتعمد الكذب، وأجمع أبو حاتم وجماعة من حفاظ الري على أنه «ضعيف في الحديث جدًا»، وقال ابن خِراش: «كان والله يكذب».12 كما أن «عمرو» لم يُنسب في هذا الإسناد عند الطبري، فلا يجزم بتعيينه من هذا الطريق.
فلا يعارض هذا الوجه قول الترمذي: «لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس»؛ لأن الطريق الذي ظهر عند الطبري بعده لا يثبت إسناده إلى سِماك بما يصلح أن يكون متابعة معتبرة، ويبقى الحديث معروفًا من الطريق الصحيح المحفوظ عن عبد الله بن إدريس.
المصادر والمراجع
1مصنف ابن أبي شيبة (رقم 39796 ت الشثري)
2مسند أحمد (30/ 141 رقم 18201 ط الرسالة)
3صحيح مسلم (3/ 1685 رقم 2135 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4سنن الترمذي (رقم 3155 ت بشار)
5السنن الكبرى للنسائي (10/ 167 رقم 11253 ط الرسالة)
6تفسير الطبري (18/ 186 ت أحمد شاكر)
7صحيح ابن حبان (14/ 142 رقم 6250 ت شعيب الأرناؤوط)
8المعجم الكبير (20/ رقم 986 ت حمدي السلفي)
9المعجم الكبير (20/ رقم 986 ت حمدي السلفي)
10سنن الترمذي (رقم 3155 ت بشار)
11تفسير الطبري (18/ 187 ت أحمد شاكر)
12تهذيب التهذيب (9/ 112-114 ط دائرة المعارف النظامية)
شرح الحديث
(لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي) أي لما وصل المُغيرة رضي الله عنه إلى أهل نجران، وكان فيهم نصارى، سألوه عما أشكل عليهم من القرآن (إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ: {يَا أُخْتَ هَارُونَ}) أي خاطب قوم مريمَ عليها السلام بهذا اللفظ (وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا) أي اعترضوا بأن موسى وهارون عليهما السلام كانا قبل زمن عيسى ومريم بمدة طويلة، فتوهموا أن هارون المذكور في الآية لا بد أن يكون هارون أخا موسى (فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي لم يتكلف المُغيرة جوابًا بغير علم، وإنما رجع إلى النبي ﷺ وسأله (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ) أي كان من عادة من قبلهم أن يسموا أبناءهم بأسماء الأنبياء والصالحين المتقدمين، فلا يلزم من تسمية رجل في زمن مريم بـ«هارون» أن يكون هو هارون أخا موسى، وبذلك يزول الاعتراض الناشئ عن اشتراك الاسمين. وأما تعيين هارون المذكور في الآية، وهل كان أخًا لمريم حقيقة أو رجلًا صالحًا من قومها أو كانت النسبة إليه من جهة أخرى، ففيه كلام للمفسرين، والحديث يجيب عن أصل الإشكال الزمني، وهو أن تكرر اسم هارون في بني إسرائيل أمر معروف.
فوائد الحديث
في الحديث بيان سلامة القرآن من الاعتراض المبني على توهم اتحاد الأشخاص لمجرد اتحاد الأسماء، وفيه أن أهل الأمم السابقة كانوا يتسمون بأسماء الأنبياء والصالحين قبلهم، وفيه جواز التسمي بأسماء الأنبياء والصالحين، وفيه فضيلة التوقف عند عدم العلم؛ فإن المُغيرة رضي الله عنه لم يتكلف جوابًا لما لم يعلمه حتى رجع إلى رسول الله ﷺ، وفيه أن دفع الشبهات يكون بالعلم والتحقيق لا بالتكلف، وأن معرفة عادات الأمم وأسماء رجالها مما يعين على فهم النصوص، وفيه أن اشتراك شخصين في الاسم لا يدل على اتحادهما، ولا يصح بناء اعتراض تاريخي على ذلك.