قال ابن عبد البر: «مرسل» ثم قال في اختلاف الرواة: «هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة فيما علمت عن مالك مرسلًا».1 وقال في الاستذكار، بعد ذكر رواية أحمد بن منصور الموصولة عن أنس: «والصحيح ما في الموطأ».2 وقال ابن حجر في رواية أحمد بن منصور عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أنس: «وعندي أنه تصحيف، والصواب: عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا كما اتفقت عليه الرواة».3
المصادر والمراجع
1التمهيد (17/383-384)
2الاستذكار (27/433)
3إتحاف المهرة (19/642 رقم 25468 ت مركز خدمة السنة والسيرة)
تخريج الحديث
رواه مالك،1 ومن طريقه ابن زنجويه،2 من طرق عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن النبي ﷺ مرسلًا.
وقد اتفق رواة الموطأ عن مالك -فيما وقف عليه ابن عبد البر- على إرساله؛ فقال ابن عبد البر: «هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة فيما علمت عن مالك مرسلًا، عن عبد الله بن أبي بكر».3 وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم تابعي، فإسناده منقطع بينه وبين النبي ﷺ.
لكن خالف جماعةَ أصحاب مالك أحمدُ بن منصور التَّلِّي؛ فرواه عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة، فلما قدم سأله بعيرًا من الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه.4
وهذه الرواية لا تحفظ؛ فقد انفرد أحمد بن منصور التلي بإدخال أنس في الإسناد، وخالفه جماعة رواة مالك، فرَوَوه عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، مرسلًا. ولذلك رجح ابن عبد البر رواية الجماعة وقال: «والصحيح ما في الموطأ».5 بل ذهب ابن حجر إلى أبعد من ذلك فقال عن ذكر أنس: «وعندي أنه تصحيف»، ثم جزم بأن الصواب رواية الإرسال التي اتفق عليها الرواة.6
ويؤكد ضعف الوصل أن أحمد بن منصور التلي قليل الرواية مجهول الحال، وإنما عُرف بروايته عن مالك، فلا تقبل مخالفته لجماعة أصحاب مالك بإدخال صحابي في إسناد أجمعوا على إرساله.
ثم إن رواية أحمد بن منصور الموصولة لم تسق الحديث بتمامه، وإنما انتهت عند قوله: «حتى عرف الغضب في وجهه»، وقال ابن عبد البر عقبها: «هكذا حدثنا لم يزد».7 فلفظ النبي ﷺ: «إن الرجل ليسألني ما لا يصلح لي ولا له...» لم يثبت في الرواية الموصولة أصلًا، وإنما جاء في الطريق المرسل المحفوظ عن مالك.
المصادر والمراجع
1موطأ مالك (1000/2 رقم 1887 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2الأموال (1113/3 رقم 2062 ت شاكر ذيب فياض)
3التمهيد (220/11 ت بشار)
4التمهيد (220-221/11 ت بشار)
5الاستذكار (433/27)
6إتحاف المهرة (642/19 رقم 25468 ت مركز خدمة السنة والسيرة)
7التمهيد (221/11 ت بشار)
شرح الحديث
(اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَلَى الصَّدَقَةِ) أي ولاه جمع الزكاة من أهلها وصرفها على الوجه المأذون فيه (فَلَمَّا قَدِمَ سَأَلَهُ إِبِلًا مِنَ الصَّدَقَةِ) أي طلب من النبي ﷺ أن يعطيه من إبل الزكاة، والظاهر أنه سأل زيادة على ما يستحقه بعمله أو سأل وهو غير مستحق لها، ولذلك أنكر عليه النبي ﷺ، وذكر الباجي هذين الاحتمالين.1(فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي لما سأله ما لا يحل له أخذه ولا يحل للنبي ﷺ دفعه إليه (حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ) أي ظهر أثر الغضب عليه ﷺ (أَنْ تَحْمَرَّ عَيْنَاهُ) أي كان هذا من العلامات الظاهرة عليه عند شدة غضبه (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ) أي يطلب مني مالًا لا يحل لي أن أعطيه إياه، ولا يحل له أن يأخذه (فَإِنْ مَنَعْتُهُ كَرِهْتُ الْمَنْعَ) أي لما جبل عليه ﷺ من الجود وحب الإحسان (وَإِنْ أَعْطَيْتُهُ أَعْطَيْتُهُ مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ) أي لا يجوز أن يحمل الجودُ المرء على إعطاء ما حرمه الله على الآخذ (لَا أَسْأَلُكَ مِنْهَا شَيْئًا أَبَدًا) أي رجع الرجل عن سؤاله حين علم حكمه وقبل الموعظة.