صحح الحاكم طريق أبي مسعود فقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».1 وصحح كذلك طريق جرير بن عبد الله.2 وقال البوصيري في طريق ابن ماجه: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».3 وقال المزي بعد أن ذكر متابعة محمد بن إسماعيل بن عُلَيَّة لإسماعيل بن أبي الحارث على وصله: «فزال عنه الوهم، وصح الحديث، والله أعلم».4 وصححه الألباني بمجموع طرقه.5
لكن الدارقطني أعل الوجهين الموصولين فقال: «وكلاهما وهم، والصواب عن إسماعيل، عن قيس، مرسلًا عن النبي ﷺ».6 وقال ابن عدي بعد ذكر الطريق الموصول عن أبي مسعود: «ورواه زهير، وابن عيينة، ويحيى القطان، عن ابن أبي خالد مرسلًا».7 وقال البيهقي بعد أن ساق الموصول ثم رواية جعفر بن عون نفسها مرسلة: «هذا مرسل وهو المحفوظ».8 وقال الخطيب البغدادي عن رواية الجماعة: الصواب الإرسال.9 وقال ابن عساكر: «والمحفوظ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس مرسلًا، من غير ذكر أبي مسعود».10 وقال الوادعي: «الوصل شاذ»، ثم أعل كذلك رواية جرير، وقال: «يعتبر شاذًّا».11 وكذلك أعله ضياء الرحمن،12 والحويني،13 والعدوي مع بعض الباحثين.14
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (3/ 50 رقم 4366 ت مصطفى عبد القادر عطا)
2المستدرك على الصحيحين (2/ 506 رقم 3733 ت مصطفى عبد القادر عطا)
3مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (رقم 1084)
4تهذيب الكمال (3/ 44-45 ت بشار عواد معروف)
5السلسلة الصحيحة (4/ 496 رقم 1876 ط مكتبة المعارف)
6علل الدارقطني (6/ 194-195 رقم 1063)
7الكامل في ضعفاء الرجال (9/ 414)
8دلائل النبوة (5/ 69)
9تاريخ بغداد (7/ 264-265 ت بشار عواد معروف)
10تاريخ دمشق (4/ 84 ت عمرو بن غرامة العمروي)
11أحاديث معلة ظاهرها الصحة (ص305-306)
12الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (8/ 638)
13الترياق بأحاديث قواها الألباني وضعفها الحويني أبو إسحاق (ص50)
14سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (12/ 95)
تخريج الحديث
رواه ابن سعد،1 وهناد بن السري،2 والدارقطني،3 والخطيب البغدادي،4 والبيهقي،5 وابن عساكر،6 من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن النبي ﷺ مرسلًا.
وقد رواه عن إسماعيل بن أبي خالد مرسلًا جماعة من الحفاظ؛ منهم يزيد بن هارون وعبد الله بن نُمير،7 ويحيى بن سعيد القطان،8 وزهير بن معاوية وهشيم بن بشير،9 وسفيان بن عيينة،10 وأبو معاوية الضرير،11 وأبو خالد الأحمر. وذكر ابن عساكر هؤلاء وغيرهم، ثم قال: «والمحفوظ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس مرسلًا».12
ورواه جعفر بن عون نفسه عن إسماعيل بن أبي خالد مرسلًا؛ رواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون، عن إسماعيل، عن قيس قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يكلمه...» ثم قال البيهقي: «هذا مرسل وهو المحفوظ».13 وهذه الرواية مهمة؛ لأن جعفر بن عون هو نفسه الذي وقع عنه الوجه الموصول، فثبت أن الحديث روي عنه أيضًا على الوجه الموافق لجمهور أصحاب إسماعيل بن أبي خالد.
لكن خالف هؤلاء إسماعيلُ بن أبي الحارث؛ فرواه عن جعفر بن عون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود رضي الله عنه، موصولًا. ورواه من هذا الوجه ابن ماجه،14 وأبو الشيخ،15 والحاكم،16 والخطيب،17 والبيهقي.18 وقال ابن ماجه عقب الحديث: «إسماعيل وحده وصله».19
وقد نازع الخطيب والمزي في دعوى انفراد إسماعيل بن أبي الحارث بالوصل؛ فروياه من طريق محمد بن بكار، عن محمد بن إسماعيل ابن عُلَيَّة القاضي، عن جعفر بن عون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي مسعود موصولًا.20 وقال المزي بسبب هذه المتابعة: «فزال عنه الوهم، وصح الحديث».21
إلا أن هذه المتابعة لا تكفي -فيما يظهر- لترجيح الوصل؛ لأن الاختلاف ليس بين راوٍ واحد وراوٍ واحد، بل جمهور أصحاب إسماعيل بن أبي خالد، وفيهم يحيى القطان وابن عيينة وزهير وابن نمير ويزيد بن هارون وهشيم وغيرهم، رووه عن إسماعيل عن قيس مرسلًا، كما أن جعفر بن عون نفسه حُفظ عنه الإرسال من طريق محمد بن عبد الوهاب. ولهذا لم يكتف الدارقطني بكون رجال الطريق الموصول ثقات، بل حكم على الوصل بالوهم، وقال: «والصواب عن إسماعيل، عن قيس مرسلًا».22، وكذلك قال البيهقي: «هذا مرسل وهو المحفوظ».23
وروي موصولًا من وجه آخر عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه؛ رواه الطبراني،24 والحاكم،25 والخطيب،26 وابن عساكر،27 من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، مرفوعًا.
لكن هذا الوجه أيضًا معلول؛ فقد رواه عيسى بن يونس عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير من طريق شَقران، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير إلا عيسى، تفرد به شقران».28 وقال ابن عساكر: «غريب جدًا من حديث جرير بن عبد الله».29 وجزم الدارقطني بأن رواية جرير ورواية أبي مسعود كلتيهما وهم، وأن الصواب الإرسال.30
ورواه الحاكم من طريق عباد بن العوام، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير، وصححه على شرط الشيخين.31 لكن هذا الوجه مخالف كذلك لرواية الجماعة عن إسماعيل.
وقيس بن أبي حازم ثقة مخضرم، لكنه لم يدرك النبي ﷺ إدراك رواية؛ فقد قدم ليبايعه فقبض النبي ﷺ قبل أن يراه، فروايته عنه مرسلة. فكون الإسناد إلى قيس صحيحًا لا يزيل علة الانقطاع بين قيس والنبي ﷺ.
والذي يظهر أن مدار الحديث على إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، وأن المحفوظ عنه الإرسال؛ فقد رواه كذلك عدد من كبار الحفاظ، وحُفظ الإرسال حتى عن جعفر بن عون نفسه، بينما وقع الوصل بأبي مسعود من رواية عنه خالفها الحفاظ، ووقع الوصل بجرير كذلك، فأعل الدارقطني الوجهين جميعًا. ومتابعة محمد بن إسماعيل ابن علية لإسماعيل بن أبي الحارث تمنع دعوى التفرد المطلق بالوصل، لكنها لا تقوى على معارضة جمهور الحفاظ ولا على دفع تصريح الدارقطني والبيهقي بأن المحفوظ الإرسال. ولذلك فالأقرب: أن الحديث مرسل صحيح الإسناد إلى قيس بن أبي حازم، وأما رفعه موصولًا عن أبي مسعود أو جرير فشاذ معلول، فلا يصح موصولًا.
المصادر والمراجع
1الطبقات الكبرى (1/ 23 ط دار صادر)
2الزهد (2/ 413)
3علل الدارقطني (6/ 195 رقم 1063)
4تاريخ بغداد (7/ 264-265 ت بشار عواد معروف)
5دلائل النبوة (5/ 69)
6تاريخ دمشق (4/ 84-85 ت عمرو بن غرامة العمروي)
7الطبقات الكبرى (1/ 23 ط دار صادر)
8علل الدارقطني (6/ 195 رقم 1063)
9تاريخ بغداد (7/ 264-265 ت بشار عواد معروف)
10الكامل في ضعفاء الرجال (9/ 414)
11الزهد لهناد (2/ 413)
12تاريخ دمشق (4/ 84 ت عمرو بن غرامة العمروي)
13دلائل النبوة (5/ 69)
14سنن ابن ماجه (2/ 1101 رقم 3312 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15أخلاق النبي وآدابه (1/ 386 رقم 138)
16المستدرك على الصحيحين (3/ 50 رقم 4366 ت مصطفى عبد القادر عطا)
17تاريخ بغداد (7/ 261 ت بشار عواد معروف)
18دلائل النبوة (5/ 69)
19سنن ابن ماجه (2/ 1101 رقم 3312 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
20تاريخ بغداد (7/ 264 ت بشار عواد معروف)
21تهذيب الكمال (3/ 45 ت بشار عواد معروف)
22علل الدارقطني (6/ 194-195 رقم 1063)
23دلائل النبوة (5/ 69)
24المعجم الأوسط (2/ 64 رقم 1260)
25المستدرك على الصحيحين (2/ 506 رقم 3733 ت مصطفى عبد القادر عطا)
26تاريخ بغداد (7/ 263 ت بشار عواد معروف)
27تاريخ دمشق (4/ 82 ت عمرو بن غرامة العمروي)
28المعجم الأوسط (2/ 64 رقم 1260)
29تاريخ دمشق (4/ 82 ت عمرو بن غرامة العمروي)
30علل الدارقطني (6/ 194-195 رقم 1063)
31المستدرك على الصحيحين (2/ 506 رقم 3733 ت مصطفى عبد القادر عطا)
شرح الحديث
(أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ) أي جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد مخاطبته، وجاء في بعض الروايات أن ذلك كان يوم فتح مكة (فَجَعَلَ تَرْعَدُ فَرَائِصُهُ) أي أخذته الرعدة من شدة هيبته ﷺ، والفريصة اللحمة التي بين الجنب والكتف، وتتحرك عند الخوف والفزع (هَوِّنْ عَلَيْكَ) أي خفف عن نفسك ولا تخف ولا تضطرب (فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ) أي لست من ملوك الدنيا الذين يتجبرون على الناس ويُهابون خوفًا من بطشهم، وليس المراد نفي ما آتاه الله من سلطان النبوة (إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ) أي أراد ﷺ تأنيس الرجل وتسكين خوفه بإظهار التواضع (تَأْكُلُ الْقَدِيدَ) والقديد اللحم الذي يقطع شرائح ويملح ويجفف ليبقى، وهو من طعام عامة العرب، فذكره ﷺ مبالغة في التواضع وإزالة ما وقع في نفس الرجل من رهبة.