تخريج حديث 1812: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ.”
حسنه الألباني.1
لكن قال ابن عدي: «أما هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد فمنكر».2 وقال أبو نعيم: «غريب، تفرد به الحر بن مالك».3 وقال البيهقي: «هكذا روي بهذا الإسناد مرفوعًا وهو منكر، تفرد به أبو سهل الحر بن مالك عن شعبة».4 وقال الذهبي عن الحُرّ بن مالك: «أتى بخبر باطل» وساق هذا الحديث.5 وقال ابن رجب عقب ذكر المرفوع: «والموقوف أصح».6 ووافق ابن حجر إنكار تفرد الحُرّ عن شعبة، وذكر أنه داخل في علامة الحديث المنكر التي بيّنها مسلم.7
رواه ابن عدي،1 وابن المقرئ،2 وابن شاهين،3 وأبو نعيم،4 والبيهقي،5 من طرق عن الحُرّ بن مالك العَنْبري، عن شُعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأَحوص، عن عبد الله بن مسعود، مرفوعًا.
ومدار المرفوع على الحُرّ بن مالك عن شعبة، وقد تفرد به عنه؛ قال ابن عدي: «وهذا لا يرويه عن شعبة غير الحر بهذا الإسناد» ثم حكم عليه بالنكارة.6 وقال أبو نعيم: «غريب، تفرد به الحر بن مالك».7 وقال البيهقي: «تفرد به أبو سهل الحر بن مالك عن شعبة».8
والحُرّ بن مالك ليس متروكًا؛ فقد قال أبو حاتم فيه: «صدوق لا بأس به»، ولهذا مال الألباني إلى تحسين إسناده، وقال إن بقية رجاله ثقات، وأن الحُرّ ليس مجهولًا كما قيل.9 لكن العلة هنا ليست مجرد حال الحُرّ في الجرح والتعديل، بل تفرده بهذا الحديث عن شُعبة، مع كثرة أصحاب شعبة وحفاظ حديثه؛ ولهذا رأى ابن عدي والبيهقي أن هذا التفرد منكر، وأقر ابن حجر هذا المسلك، فقال عقب كلام ابن عدي إن ذلك يوافق علامة المنكر التي ذكرها مسلم، وهي أن ينفرد الراوي عن الإمام المشهور بما لا يعرفه عامة أصحابه.10 وهذا نقد خاص لهذا الحديث، وهو مقدم على مجرد كون راويه صدوقًا في الجملة.
وقد ذهب الذهبي إلى أبعد من ذلك فقال عن الحُرّ: «أتى بخبر باطل»، ثم ذكر هذا الحديث.11 وعلله بأن المصاحف إنما اتخذت بعد النبي ﷺ، لكن هذا التعليل بعينه ليس بالقوي؛ فقد تعقبه ابن حجر بأن إطلاق المصحف والقرآن المكتوب في زمن النبوة غير ممتنع، وأن مجرد هذا لا يكفي لإبطال الحديث.12 فالعلة الأقوى ليست لفظ «المصحف»، وإنما تفرد الحُرّ عن شعبة بهذا الإسناد والمتن.
وإنما ورد موقوفا عن ابن مسعود رضي الله عنه معنى قريب موقوفًا؛ فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام عن حَجَّاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يَزيد، عن ابن مسعود قال: «لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله».13 ورواه ابن الجَعْد،14 والطبراني،15 والبيهقي،16 من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود بنحوه: «من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله، فلينظر، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله». وقال الهيثمي: «رجاله ثقات».17
وهذا الموقوف يرويه عن أبي إسحاق جماعة؛ فمنهم شعبة، وإسرائيل، وجاء نحوه عن سفيان الثوري، فهو أثبت بكثير من الوجه المرفوع الذي انفرد به الحُرّ بن مالك عن شعبة، واختلف فيه أيضًا الشيخ على أبي إسحاق؛ ففي المرفوع: أبو الأحوص، وفي الموقوف الصحيح: عبد الرحمن بن يزيد. ولذلك قال ابن رجب بعد ذكر المرفوع: «والموقوف أصح».18
ولا يظهر للمرفوع شاهد ينهض به؛ وما ورد في فضل القراءة نظرًا في المصحف بألفاظ أخرى لا يخلو من ضعف، ولا يصلح لإزالة النكارة التي حكم بها النقاد على هذا الطريق بعينه. وأما الأثر الموقوف عن ابن مسعود فهو ثابت في أصل أن محبة القرآن علامة على محبة الله ورسوله، لكنه لا يتضمن تخصيص القراءة من المصحف بهذا الفضل.
فالراجح أن رفع حديث: «من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف» منكر، وأن تحسينه بالنظر إلى ظاهر رجال الإسناد لا يقوى في مقابلة النقد الخاص لابن عدي والبيهقي، وتأييد ابن حجر لطريقتهما، مع تصريح ابن رجب بأن الموقوف أصح. والمحفوظ عن ابن مسعود أن محبة القرآن من دلائل محبة الله ورسوله، دون ثبوت الجملة الخاصة: «فليقرأ في المصحف» مرفوعة إلى النبي ﷺ.
(مَنْ سَرَّهُ) أي من أحب وأفرحه (أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) أي أن تكون في قلبه محبة لله تعالى ولرسوله ﷺ، وهي محبة تظهر في تعظيم أمرهما واتباع الوحي (فَلْيَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ) أي يقرأ القرآن بالنظر في المصحف، وهذا هو معنى اللفظ المروي، لكن تخصيص القراءة من المصحف بأنها طريق هذا الفضل لا يثبت عن النبي ﷺ؛ لأن الحديث المرفوع منكر، وإنما الثابت عن ابن مسعود أن محبة القرآن نفسها علامة على محبة الله ورسوله.