أورده ابن حبان في صحيحه،1 وصحح ابن حزم إسناده، وقال: «هذه هي الحجة القاطعة بصحة هذه الأسانيد».2 وقوّاه ابن رجب، وذكر متابعة المطعم بن المقدام وميمون بن مهران لسليمان بن موسى، واستدلال أحمد بالحديث،3 وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح».4 وصححه الألباني،5 وحسنه ضياء الرحمن.6
لكن قال أبو داود: «هذا حديث منكر».7 وضعفه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي،8 وهو الذي نقله عنه ابن عبد الهادي فيما حكاه السيوطي،9 ومال مصطفى العدوي إلى إعلاله، وأنه من المستنكر على سليمان بن موسى.10
المصادر والمراجع
1صحيح ابن حبان (2/ 468 رقم 693 ت شعيب الأرناؤوط)
2المحلى بالآثار (9/ 62 ط دار الفكر)
3نزهة الأسماع في مسألة السماع (2/ 452 ت طلعت الحلواني)
4مسند أحمد (7/ 75 ت أحمد شاكر)
5صحيح أبي داود (رقم 4924)
6الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (11/ 619)
7سنن أبي داود (4/ 281 رقم 4924 ت محيي الدين عبد الحميد)
8السماع لابن القيسراني (ص59)
9مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (3/ 1253)
10سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (6/ 306)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وأبو داود،2 وابن حبان،3 والبيهقي،4 من طرق عن سَعِيد بن عبد العزيز، عن سُليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا.
وقد رواه عن سعيد بن عبد العزيز الوليد بن مسلم وأبو مسهر ومخلد بن يزيد وغيرهم، فالإسناد إلى سعيد محفوظ.
ووقع اختلاف في بعض وجوه الرواية عنه، فسئل الدارقطني عن الحديث، ورجح طريق سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر فقال: «هو الصواب».5 وليس مراد الدارقطني بذلك تصحيح الحديث، وإنما ترجيح هذا الوجه من الاختلاف على سعيد.
ومدار هذا الطريق على سليمان بن موسى الأشدق، وهو مختلف فيه؛ وثقه يحيى بن معين وغيره، وقال أبو حاتم: «محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب»، وقال النسائي: «ليس بالقوي في الحديث»، وقال البخاري: «عنده مناكير».6 فليس متروكًا ولا شديد الضعف، لكن حديثه مما يحتاج إلى النظر، ولا سيما إذا تفرد عن إمام مكثر كنافع بخبر لا يعرفه عنه كبار أصحابه، ثم أنكره إمام كأبي داود.
وقد حاول جماعة دفع التفرد عن سليمان بمتابعة المطعم بن المقدام؛ فرواه أبو داود،7 والطبراني،8 من طريق خالد بن يزيد، عن المطعم بن المقدام، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا بنحوه. لكن أبا داود قال عقب هذه الرواية: «أُدخل بين مطعم ونافع سليمان بن موسى».9 فبيّن أن المحفوظ -عنده- ليس: المطعم عن نافع، وإنما المطعم عن سليمان بن موسى، عن نافع، وعلى هذا ترجع هذه الرواية إلى المدار نفسه ولا تكون متابعة مستقلة لسليمان.
وهذا من أهم ما يضعف استدلال من قوّى الحديث بطريق المطعم؛ لأن المتابعة إنما تنفع إذا كان المطعم قد أخذه عن نافع من غير واسطة سليمان، أما إذا كان بينهما سليمان عاد الطريق إلى الأصل، وبقي التفرد قائمًا.
وروي كذلك عن ميمون بن مهران؛ رواه أبو داود،10 والطحاوي،11 من طريق أبي المليح، عن ميمون بن مهران، عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه، فقال أبو داود عقب روايته: «وهذا أنكرها».12
وقد جاء ما يكشف علة هذا الطريق؛ فرواه عيسى بن سالم الشاشي، عن أبي المليح، عن ميمون قال: «بلغني عن رجل خرج مع ابن عمر يسير ومعه نافع»، فذكر قصة زمارة الراعي، فلم يروه ميمون عن نافع مباشرة، وإنما بلغه عن رجل مبهم.13 فهذا يدل على أن رواية: «ميمون، عن نافع» غير محفوظة على الاتصال، ويوافق قول أبي داود: «وهذا أنكرها».
فلا تصلح رواية ميمون أيضًا أن تكون متابعة صحيحة لسليمان بن موسى؛ لأن الوجه الذي يظهر فيه الاتصال قد خولف بوجه فيه بلاغ عن رجل مجهول، مع تصريح أبي داود بنكارته.
وقد ذكر ابن رجب هذين الوجهين -المطعم وميمون- في تقوية الحديث، وقال بعد نقل إنكار أبي داود: إن قوله «هذا حديث منكر» يوجد في بعض نسخ السنن دون بعض، واحتمل أن أبا داود قاله قبل أن يتبين له أن سليمان قد توبع ثم رجع عنه.14 لكن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن أبا داود نفسه ساق بعد الطريق الأول طريق المطعم وطريق ميمون، ثم تعقب طريق المطعم بإدخال سليمان فيه، وقال عن طريق ميمون: «وهذا أنكرها»، فهذا يدل على معرفته بهذه الوجوه مع استمرار حكمه النقدي عليها، لا على أنه رجع عن إنكاره.
والمتابعتين اللتين يُعتمد عليهما كثيرًا في تقوية سليمان ليستا سالمتين: فمتابعة المطعم تعود إلى سليمان على تنبيه أبي داود، ومتابعة ميمون منكرة عند أبي داود، وجاءت عنه من وجه يدل على الانقطاع.
وروي الحديث عن نافع من طريق مالك بن أنس وعبد الله بن عمر العمري، لكنهما لا يثبتان عنهما؛ وقد نبه ابن رجب نفسه إلى ذلك فقال: «وروي أيضًا عن مالك وعبد الله العمري عن نافع، إلا أنه لا يثبت عنهما».15 فلا يصلح شيء منهما لتقوية الحديث.
وله طريق آخر عن ابن عمر من غير طريق نافع؛ رواه ابن ماجه،16 وابن أبي الدنيا،17 من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن ثعلبة بن أبي مالك، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَمِعَ صَوْتَ طَبْلٍ، فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ تَنَحَّى، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ».
وهذا الطريق ضعيف؛ فإن ليث بن أبي سليم صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك.18 وقد ضعفه الجمهور، ولذلك لا يستقل هذا الطريق بإثبات الحديث.
كما أن لفظه مختلف عن الطريق المشهور؛ ففيه «صوت طبل» بدل «زمارة راع» وهذا مما يزيد التوقف في جعله شاهدًا تامًا للفظ طريق نافع. نعم، هو شاهد في أصل حكاية إدخال ابن عمر إصبعيه في أذنيه ونسبة مثل ذلك إلى النبي ﷺ، لكنه طريق ضعيف من جهة ليث، فلا أراه كافيًا لدفع حكم أبي داود بالنكارة عن الطريق الآخر.
وقد قال ابن عدي في ترجمة سليمان بن موسى ما يدل على أن الحديث مما يُعرف من جهته، ونقل عن البخاري قوله فيه: «عنده مناكير».19 وهذا مناسب لما يظهر من صنيع أبي داود؛ فإن سليمان ليس من كبار أصحاب نافع المشهورين الملازمين له، وتفرده بمثل هذه القصة عن نافع مع عدم رواية أصحابه الكبار لها قرينة تستدعي التوقف، ولا سيما مع تصريح أبي داود بالنكارة.
والذي يظهر أن طريق سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع هو المحفوظ من أوجه الاختلاف، كما رجحه الدارقطني، لكن صحة تعيين هذا الوجه لا تستلزم صحة المتن؛ فإن سليمان بن موسى مختلف في حفظه، وقد تفرد بهذا الخبر عن نافع فيما يثبت، وأنكره أبو داود صراحة. وأما طريق المطعم فالمحفوظ عند أبي داود إدخال سليمان بينه وبين نافع، وأما طريق ميمون فقد حكم أبو داود بأنه «أنكرها» وجاء عنه ما يدل على انقطاعه، وأما طريق مجاهد ففيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف مختلط. لذلك فالأقرب عندي أن الحديث لا يثبت مرفوعًا، وأن طريق نافع منكر.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (8/ 132 رقم 4535 ط الرسالة)
2سنن أبي داود (4/ 281 رقم 4924 ت محيي الدين عبد الحميد)
3صحيح ابن حبان (2/ 468 رقم 693 ت شعيب الأرناؤوط)
4السنن الكبير للبيهقي (21/ 137 رقم 21038 ت عبد الله التركي)
5علل الدارقطني (7/ 97 رقم 2978 ت محفوظ الرحمن زين الله)
6تهذيب الكمال (12/ 96-98 ت بشار عواد معروف)
7سنن أبي داود (4/ 282 رقم 4925 ت محيي الدين عبد الحميد)
8المعجم الصغير (1/ 29 رقم 11)
9سنن أبي داود (4/ 282 رقم 4925 ت محيي الدين عبد الحميد)
10سنن أبي داود (4/ 282 رقم 4926 ت محيي الدين عبد الحميد)
11شرح مشكل الآثار (13/ 247 رقم 5237 ت شعيب الأرناؤوط)
12سنن أبي داود (4/ 282 رقم 4926 ت محيي الدين عبد الحميد)
13حديث أبي سعيد عيسى بن سالم الشاشي (ص36 ت عبد العزيز الكبيسي)
14نزهة الأسماع في مسألة السماع (2/ 452 ت طلعت الحلواني)
15نزهة الأسماع في مسألة السماع (2/ 452 ت طلعت الحلواني)
16سنن ابن ماجه (1/ 613 رقم 1901 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
17الورع (ص71 رقم 83)
18تقريب التهذيب (ص464 ت محمد عوامة)
19الكامل في ضعفاء الرجال (3/ 265)
شرح الحديث
(سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا) أي سمع صوت آلة يزمر بها، وقد جاء في الرواية الأخرى تفسير ذلك بـ(صَوْتَ زَمَّارَةِ رَاعٍ)، أي ما كان الراعي ينفخ فيه (فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ) أي سد أذنيه لئلا يصل إليه الصوت (وَنَأَى عَنِ الطَّرِيقِ) أي ابتعد عن الجهة التي يأتي منها الصوت، (يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟) أي هل بقي صوت المزمار يصل إليك، وظل ابن عمر على حاله حتى أخبره نافع بانقطاع الصوت (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا) أي نسب ابن عمر هذا الصنيع إلى النبي ﷺ، غير أن رفع هذه القصة لا يثبت على الراجح لما تقدم من علل طرقها.