تخريج حديث 1820: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ.»
يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ.”
يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ.”
قال الزيلعي: «غريب».1 وقال ابن عبد الهادي في جملة أحاديث هذا الباب: «ليس له إسناد، أو له إسناد ولا يحتج بمثله النقاد من أهل العلم».2 وقال القاوقجي: «لم يرد بهذا اللفظ».3 وقال الألباني: «لا أصل له بهذا اللفظ».4
لفظ: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» اشتهر في كتب التفسير والسير، وذكره الزمخشري في الكشاف، لكن لم نقف له على إسناد مسند بهذا اللفظ إلى النبي ﷺ.
وقد ذكر ابن حجر الحديث فقال: «وحديث: أنا ابن الذبيحين، رويناه في الخلعيات من حديث معاوية».1 والمحفوظ من حديث معاوية الذي وقفنا عليه ليس فيه أن النبي ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين»، وإنما فيه أن أعرابيًا خاطبه بقوله: «يا ابن الذبيحين».
رواه الطبري،2 والحاكم،3 وأبو نعيم،4 من طريق إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني، عن عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبد الله -وفي بعض النسخ: عبيد الله- بن محمد العتبي، عن أبيه في رواية الطبري، عن عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي، قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية: «سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه الأعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد علي بما أفاء الله عليك يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه»، ثم فسر معاوية الذبيحين بعبد الله بن عبد المطلب وإسماعيل عليه السلام.
وقد اضطرب إسناد هذا الخبر في أسماء بعض رجاله؛ ففي رواية الحاكم5 «عبد الرحيم الخطابي، عن عبد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد الصنابحي» وفي رواية الطبري6 «عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد بن محمد العتبي، عن أبيه، عن عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي». وهذا الاختلاف مع جهالة بعض رجال الإسناد يزيده وهنًا.
وقد سكت الحاكم عن الخبر، لكن قال الذهبي متعقبًا إسناده: «إسناده واه».7 وقال ابن كثير بعد روايته: «وهذا حديث غريب جدًا».8 وقال السيوطي: «هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله».9 فحديث معاوية نفسه لا يثبت.
والفرق بين الروايتين ظاهر؛ فاللفظ المشهور يجعل الكلام من قول النبي ﷺ نفسه: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وأما حديث معاوية ففيه أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: «يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ»، وأن النبي ﷺ تبسم ولم ينكر عليه. فلا يجوز نقل اللفظ الثاني إلى الأول، ولا جعل حديث معاوية إسنادًا لعبارة لم ينطق بها النبي ﷺ في الخبر.
وقد وقع في كلام بعض المتأخرين تصحيح خبر «يا ابن الذبيحين»، لكن المحفوظ عن النقاد خلاف ذلك؛ فالذهبي وهاه، وابن كثير قال: «غريب جدًا» والسيوطي نص على وجود مجهولين فيه. وعليه فلا يصح تقوية لفظ «أنا ابن الذبيحين» به، فضلًا عن أن لفظه مختلف أصلًا.
فالراجح أن قول: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» لا أصل له عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، فلا يجوز الجزم بنسبته إليه. وأما خبر معاوية في قول الأعرابي: «يا ابن الذبيحين» فله أصل مسند، لكنه إسناد واه لا يثبت؛ فلا يصح أن يُجعل شاهدًا يرفع اللفظ المشهور إلى درجة القبول.
(أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ) المراد على ما اشتهر عند من ذكر هذه العبارة: إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ؛ فأما إسماعيل فهو الذبيح على القول الراجح عند جماعة من أهل العلم، وأما عبد الله فالمقصود قصة نذر عبد المطلب أن يذبح أحد بنيه ثم خروج القدح على عبد الله وفدائه بالإبل. لكن هذا التفسير لا يثبت به الحديث؛ فصحة المعنى أو شهرة القصة لا تجيز نسبة لفظ إلى النبي ﷺ لم يثبت عنه.