قال البوصيري في الطريق الآخر عن خالد: «رواه أبو يعلى بسند صحيح».1 وقال الهيثمي: «رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة، فلا أدري سمع من خالد أم لا».2 وحسنه لغيره السناري «7183».3
لكن قال الذهبي في طريق عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن خالد: «منقطع».4
المصادر والمراجع
1إتحاف الخيرة المهرة (7/ 271 رقم 6832)
2مجمع الزوائد (9/ 350 رقم 15882)
3مسند أبي يعلى - ت السناري (9/ 572)
4تلخيص المستدرك (3/ 338)
تخريج الحديث
رواه الواقدي في سياق حجة الوداع، فقال عقب ذكر حلق النبي ﷺ رأسه: «وكلمه خالد بن الوليد في ناصيته حين حلق فدفعها إليه»، ثم حكى عن أبي بكر الصديق أنه قال: «ثم نظرت إليه ورسول الله ﷺ يحلق رأسه، وهو يقول: يا رسول الله، ناصيتك! لا تؤثر بها علي أحدًا، فداك أبي وأمي! فأنظر إليه أخذ ناصية رسول الله ﷺ، فكان يضعها على عينيه وفيه».1
وهذا اللفظ بعينه لا يثبت؛ فالواقدي متروك عند أئمة الحديث، والخبر في هذا الموضع غير مسند إلى أبي بكر بإسناد تقوم به الحجة؛ فلا يصح إثبات قول خالد: «ناصيتك! لا تؤثر بها علي أحدًا» بهذه الرواية.
لكن أصل أخذ خالد ناصية النبي ﷺ رواه الطبراني من طريق علي بن عبد العزيز، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فلما وجدت قال: «اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، فابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالًا وهي معي إلا رزقت النصر».2
وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين جعفر بن عبد الله بن الحكم وخالد بن الوليد؛ ولذلك قال الذهبي: «منقطع».3 وقال الهيثمي: «وجعفر سمع من جماعة من الصحابة، فلا أدري سمع من خالد أم لا».4
ورواه أبو يعلى من طريق سريج بن يونس، عن هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال خالد بن الوليد: «اعتمرنا مع النبي ﷺ في عمرة اعتمرها، فحلق شعره، فاستبق الناس إلى شعره، فسبقت إلى الناصية فأخذتها، فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدم القلنسوة، فما وجهت في وجه إلا فتح لي».5 وقال البوصيري: «رواه أبو يعلى بسند صحيح».6 إلا أن الحكم بصحة رجاله لا يرفع إشكال الانقطاع بين جعفر وخالد.
وله طريق آخر مستقل؛ رواه ابن عساكر من طريق محمد بن سعد، قال: أخبرنا يحيى بن حماد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت شيخين في المسجد ممن سمع خالد بن الوليد، فذكرا سقوط كُمَّة خالد واشتداد طلبه لها، ثم قال خالد: «لا تلوموني، فإن نبي الله ﷺ حين حلق رأسه انتهبنا شعره، فوقعت ناصيته بيدي، فجعلتها ناصية في هذه الخرقة، فإنما شق علي حين وقعت».7 وهذا الطريق متصل إلى شيخين نص عاصم بن كليب على أنهما سمعا خالدًا، إلا أنهما لم يسميا؛ ففي الإسناد جهالة، لكنه شاهد مستقل لأصل القصة.
وروى ابن عساكر أيضًا من طريق الخرائطي، عن علي بن حرب، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث قال: «أخبرني الثقة أن الناس يوم حلق رسول الله ﷺ ابتدروا شعره، فابتدرهم خالد بن الوليد إلى ناصيته، فجعلها في قلنسوته».8 وهذا شاهد آخر، إلا أن شيخ عبد الرحمن بن الحارث مبهم.
وقد جمع ابن حجر أصل الرواية في ترجمة خالد، فذكر طريق سعيد بن منصور عن هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، في قصة فقد القلنسوة، ثم ذكر رواية أبي يعلى المختصرة.9
فهذه عدة مخارج لأصل القصة:
طريق جعفر بن عبد الله عن خالد، ورجاله ثقات لكنه منقطع.
وطريق عاصم بن كليب عن شيخين سمعا خالدًا، وفيهما جهالة.
وطريق عبد الرحمن بن الحارث عن رجل وصفه بالثقة، لكنه مبهم.
وأصل ذلك ما ثبت صحيحًا أن الصحابة كانوا يتسابقون إلى شعر النبي ﷺ حين حلق؛ ففي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما حلق رأسه ناول الحالق شقه الأيمن، فقسم شعره في الناس، ثم أعطى الشق الآخر أبا طلحة.10
ويلاحظ اختلاف الروايات في المناسبة؛ فرواية الواقدي جعلت قصة خالد في حجة الوداع، أما طريق جعفر عن خالد ففيه: «اعتمر رسول الله ﷺ»، وفي رواية أبي يعلى: «اعتمرنا مع النبي ﷺ في عمرة اعتمرها».11 وهذا مما يزيد ضعف الاعتماد على رواية الواقدي في تعيين الواقعة وخصوص ألفاظها.
فالراجح أن خصوص قول خالد: «يا رسول الله، ناصيتك! لا تؤثر بها علي أحدًا، فداك أبي وأمي» لا يثبت؛ إذ لم نقف عليه بهذا السياق إلا في خبر الواقدي. وأما أصل أخذ خالد بن الوليد ناصية النبي ﷺ واحتفاظه بها في قلنسوته فله طرق لم يصح منها شيء.
المصادر والمراجع
1المغازي للواقدي (3/ 1108-1109 ت مارسدن جونس)
2المعجم الكبير للطبراني (4/ 104 رقم 3804 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3المستدرك على الصحيحين ومعه تلخيص الذهبي (3/ 338 رقم 5299 ت مصطفى عبد القادر عطا)
4مجمع الزوائد (9/ 349 رقم 15882 ت حسام الدين القدسي)
5مسند أبي يعلى (13/ 138 رقم 7183 ت حسين سليم أسد)
6إتحاف الخيرة المهرة (7/ 271 رقم 6832 ت عادل بن سعد والسيد بن محمود بن إسماعيل)
7تاريخ دمشق (16/ 247 ت عمرو بن غرامة العمروي)
8تاريخ دمشق (16/ 247 ت عمرو بن غرامة العمروي)
9الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 175 ت عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض)
10صحيح مسلم (2/ 947 رقم 1305 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
11مسند أبي يعلى (13/ 138 رقم 7183 ت حسين سليم أسد)
شرح الحديث
(نَاصِيَتَكَ) أي شعر مقدم رأسك؛ كان خالد يطلب أن يكون نصيبه من شعر النبي ﷺ شعر ناصيته (لَا تُؤْثِرْ بِهَا عَلَيَّ أَحَدًا) أي لا تخص بها غيري ولا تقدمه علي في إعطائها، وهذا اللفظ لا يثبت عن خالد كما تقدم (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) كلمة محبة وتعظيم كانت العرب تستعملها في التفدية (فَكَانَ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِيهِ) أي تعظيمًا وتبركًا بشعر النبي ﷺ، وهذه الزيادة كذلك من رواية الواقدي، فلا تثبت بهذا التفصيل.