قال الحاكم في الطريق المختصر عن عكرمة عن ابن عباس: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».1 وقال ابن القيم عن هذا الإسناد: «وهذا إسناد صحيح».2 وحسنه ضياء الرحمن.3
لكن قال الهيثمي في طريق الطبراني: «فيه عاصم بن بهدلة، وقد وثق، وضعفه جماعة».4 وقال في الطريق الآخر: «فيه عاصم بن بهدلة، وثقه أحمد وغيره، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح».5
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (2/ 416 رقم 3449 ت مصطفى عبد القادر عطا)
2شفاء العليل (1/ 123)
3الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (10/ 541)
4مجمع الزوائد (7/ 69)
5مجمع الزوائد (7/ 104)
تخريج الحديث
رواه الطحاوي،1 والواحدي،2 والطبراني،3 من طرق عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين مسعود بن مالك، عن أبي يحيى مِصْدَع الأعرج، عن ابن عباس رضي الله عنهما باللفظ المطول المذكور. وقد سقط «أبو يحيى» من الإسناد في المطبوع من «المعجم الكبير»، والمحفوظ إثباته بين أبي رزين وابن عباس؛ لاتفاق رواية الطحاوي والواحدي على ذكره.4
أبو يحيى هو مِصْدَع الأعرج المعرقب، وقد روى عن ابن عباس، وروى عنه أبو رزين، وقال مسلم البطين فيه: «كان عالمًا بحديث ابن عباس»، وروى له مسلم وأصحاب السنن.5 وذكر ابن حبان أنه كان يخالف الأثبات وينفرد بالمناكير، ولخص ابن حجر حاله بقوله: «مقبول».6 لكن روايته هنا لم تنفرد؛ بل تابعتها طرق أخرى عن ابن عباس.
ورواه الطحاوي،7 من طريق أحمد بن داود، عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة، عن يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي ﷺ فقال: «يا محمد، تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}، فقد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى، أوكل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟»، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، ونزلت: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}. وإسناده قوي.
ورواه الحاكم،8 من طريق علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مختصرًا، قال: لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} قال المشركون: الملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله؟ فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، قال: عيسى وعزير والملائكة. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».9
ورواه الطحاوي،10 من طريق أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مختصرًا في نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}. وهذا الطريق ضعيف؛ لأن أبا كدينة روى عن عطاء بن السائب بعد اختلاطه، إلا أنه لا يضر مع ثبوت الخبر من غير طريقه.
ورواه أحمد،11 والطبراني،12 والطحاوي،13 من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس بلفظ آخر في أصل احتجاج قريش بعيسى عليه السلام، وفيه أن النبي ﷺ قال لقريش: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا خَيْرَ فِي أَحَدٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ»، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا صالحًا؟ فنزلت: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}. وإسناده حسن.
فالقصة محفوظة عن ابن عباس من طريق أبي يحيى مصدع عنه، ومن طريق عكرمة عنه، وجاء أصلها من طريق سعيد بن جبير وإن كان ذلك الطريق ضعيفًا. وطريق أبي يحيى الذي حفظ المحاورة الطويلة حسن، وطريق عكرمة قوي، وصحح الحاكم وجهًا آخر عن عكرمة ووافقه الذهبي؛ فالراجح أن أصل القصة صحيح، وأما اللفظ المطول المذكور فحسن.
وابن عباس رضي الله عنهما كان صغيرًا زمن نزول هذه الآيات المكية، ولا يلزم أن يكون قد شهد هذه المحاورة بنفسه؛ وهذا من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة مقبولة عند جماهير المحدثين، ولا سيما وقد جاءت القصة عنه من أوجه متعددة.
المصادر والمراجع
1شرح مشكل الآثار (3/ 15-16 رقم 986 ت شعيب الأرناؤوط)
2أسباب النزول (ص206 ت عصام بن عبد المحسن الحميدان)
3المعجم الكبير (12/ 153 رقم 12739 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
4شرح مشكل الآثار (3/ 16 رقم 986 ت شعيب الأرناؤوط)
5تهذيب الكمال (28/ 14-15 ت بشار)
6تقريب التهذيب (ص536)
7شرح مشكل الآثار (3/ 18 رقم 988 ت شعيب الأرناؤوط)
8المستدرك على الصحيحين (2/ 416 رقم 3449 ت مصطفى عبد القادر عطا)
9المستدرك على الصحيحين (2/ 416 رقم 3449 ت مصطفى عبد القادر عطا)
10شرح مشكل الآثار (3/ 15 رقم 985 ت شعيب الأرناؤوط)
11مسند أحمد (5/ 85 رقم 2918 ط الرسالة)
12المعجم الكبير (12/ 154 رقم 12740 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
13شرح مشكل الآثار (3/ 16-17 رقم 987 ت شعيب الأرناؤوط)
شرح الحديث
(هَذَا شَيْءٌ لِآلِهَتِنَا خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ؟) أراد ابن الزبعري أن يلزم النبي ﷺ بأن كل من وقع عليه اسم المعبود من دون الله يدخل في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}. (بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي إن الوعيد متعلق بالمعبودات الباطلة التي تستحق هذا الحكم، وليس معناه أن الأنبياء والملائكة والصالحين الذين عبدهم الناس بغير رضاهم يعذبون بعبادة غيرهم لهم؛ ولذلك جاء البيان بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. (خُصِمْنَا وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ) أي زعم ابن الزبعري أنه غلب في الحجة، ومراده بالبنية الكعبة. وإنما بنى احتجاجه على التسوية بين الأصنام وبين عيسى وعزير والملائكة من جهة أن الجميع قد عبد من دون الله، وهي تسوية فاسدة؛ لأن الأنبياء والملائكة برآء من عبادة من عبدهم ولم يرضوا بها. (فَهَذِهِ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى) أراد إلزام النبي ﷺ بأن عيسى عليه السلام يدخل في عموم الآية، وكذلك عزير والملائكة، فجاء البيان بأن هؤلاء ممن سبقت لهم من الله الحسنى وأنهم عن جهنم مبعدون.
وقد ناقش الطحاوي الاعتراض بأن لفظ {مَا تَعْبُدُونَ} الغالب فيه استعمال «ما» لغير العقلاء، وبين أن العرب قد تستعمل «ما» في العقلاء أيضًا، فلا يتوقف دفع إيراد ابن الزبعري على هذا الوجه وحده.1
وذكر ابن القيم أن حجة ابن الزبعري باطلة من وجوه؛ منها أن عيسى وعزيرًا والملائكة لم يرضوا أن يعبدوا من دون الله، بل هم عباد لله منكرون للشرك، فلا يعذبون بجريمة ارتكبها غيرهم، بخلاف من دعا الناس إلى عبادته أو رضي بها.2
المصادر والمراجع
1شرح مشكل الآثار (3/ 18-19 ت شعيب الأرناؤوط)
2شفاء العليل (1/ 123 وما بعدها)
فوائد الحديث
في الحديث بيان سبب من أسباب نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، وأن من عبد من الصالحين وهو منكر لعبادة الناس له لا يلحقه إثم عابديه.
وفيه أن فساد العبادة يعود على العابد لا على من عُبد بغير رضاه؛ فعيسى عليه السلام والملائكة والصالحون برآء ممن اتخذهم آلهة من دون الله.
وفيه أن أهل الباطل قد يبنون الشبهة على اشتراك شيئين في وصف واحد مع اختلافهما في الحقيقة والحكم؛ فقد سوّى ابن الزبعري بين الأصنام وبين أنبياء وملائكة لم يرضوا بالشرك.
وفيه أن نزول القرآن كان يكشف شبه المشركين ويبطل حججهم، وأن قوة الجدل وفرح أهل الباطل بما ظنوه حجة لا يدلان على صحة القول.