تخريج حديث 1826: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ.”
قال ابن عبد البر في بلاغ مالك: «وهذا أيضًا محفوظ معروف مشهور عن النبي ﷺ عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد».1 وصححه ابن حزم، فقال في طرق الباب: «وإنما الصحيح في هذا الباب» ثم ساق حديث ابن عباس.2 وقال المنذري فيه ما يدل على أن إسناده صحيح أو حسن أو قريب منه، وقال: «وله أصل في الصحيح».3 وقال الألباني: «إسناده حسن وله شاهد».4 وصححه في موضع آخر.5
لكن نبه الحاكم على غرابة زيادة السنة في هذه الخطبة، فقال بعد إخراج حديث ابن عباس: «وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب» ثم ذكر أنه وجد له شاهدًا من حديث أبي هريرة.6 ووصف ابن حجر رواية مالك نفسها بأنها «معضلًا بلاغًا».7 وهذا الحكم على بلاغ مالك خاصة، لا على حديث ابن عباس الموصول.8 وأما طريق أبي هريرة، فقال ابن القيسراني: «صالح الطلحي متروك الحديث».9
رواه محمد بن نصر المروزي،1 والعقيلي،2 والحاكم،3 والبيهقي،4 والخطيب،5 من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه أبي أويس عبد الله بن عبد الله، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا. ووقع عند المروزي والعقيلي والخطيب: عن أبي أويس، عن عبد الله بن أبي عبد الله البصري، وعن ثور بن زيد، كلاهما عن عكرمة، عن ابن عباس. ولفظ المروزي: «وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه».6
ورواه الآجري من طريق آخر عن ابن عباس، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عبد الله بن شبيب الربعي، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا، وفيه: «ألا وإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده أبدًا، كتاب الله عز وجل وسنة نبيه».7 وهذا طريق مستقل عن طريق ابن أبي أويس، لكنه شديد الضعف؛ فإن عبد الله بن شبيب الربعي قال فيه أبو أحمد الحاكم: «ذاهب الحديث»، وتركه ابن خزيمة، ووصفه الذهبي بالوهن، كما أن محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة عن الزهري.8 فلا يصلح هذا الطريق وحده للتقوية القوية، وإنما يذكر في جملة الاعتبار.
ورواه مالك بلاغًا عن النبي ﷺ بلفظ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».9 وبلاغ مالك منقطع، بل وصفه ابن حجر بأنه معضل، فلا يستقل بإثبات الحديث، لكنه يوافق الروايات الموصولة في أصل اللفظ.10
وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «إني قد خلفت فيكم اثنتين لن تضلوا بعدهما أبدًا: كتاب الله وسنتي»، رواه البزار،11 والحاكم،12 وابن عبد البر،13 من طريق صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وهذا إسناد شديد الضعف؛ صالح بن موسى قال فيه البخاري: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «متروك الحديث»، فلا يعتمد عليه منفردًا.14
وروي أيضًا من حديث عمرو بن عوف المزني، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا بلفظ بلاغ مالك، رواه ابن عبد البر.15 وكثير بن عبد الله شديد الضعف، فلا يصلح هذا الطريق للاحتجاج منفردًا.
ومدار الطريق المشهور عن ابن عباس على أبي أويس عبد الله بن عبد الله، يرويه عنه ابنه إسماعيل. وأبو أويس مختلف فيه؛ قال أحمد: «صالح»، وقال أبو داود: «صالح الحديث»، وقال يعقوب بن شيبة: «صدوق، صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو»، وقال أبو زرعة: «صالح، صدوق، كأنه لين». لكن قال ابن معين في بعض الروايات: «ليس بقوي»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به»، ولخص ابن حجر حاله بقوله: «صدوق يهم».16 فهو من أهل الصدق، إلا أن في حفظه لينًا.
وابنه إسماعيل بن أبي أويس مختلف فيه كذلك؛ قال أحمد: «لا بأس به»، وقال أبو حاتم: «محله الصدق وكان مغفلًا»، وروي عن ابن معين توثيق وتليين شديد، وضعفه النسائي، وقال الدارقطني: «لا أختاره في الصحيح». ولخص ابن حجر أمره فقال: «صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه»، ونبه إلى أن البخاري انتقى من أصوله، فلا يلزم من احتجاج البخاري به تصحيح كل ما ينفرد به خارج الصحيح.17 أما ثور بن زيد الديلي فثقة، وثقه ابن معين وغيره.18
وله أصل صحيح من حديث جابر بن عبد الله في صفة حجة النبي ﷺ، وفيه أن النبي ﷺ قال: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ».19 وهذا شاهد قوي لأصل الوصية بالاعتصام بكتاب الله وعدم الضلال به، لكنه لا يشهد بنفسه لزيادة «وسنة نبيه»؛ ولهذا نبه الحاكم خصوصًا إلى غرابة ذكر السنة في طريق ابن عباس. ولا يلزم من عدم ذكرها في حديث جابر الحكم ببطلانها؛ إذ غاية ذلك أن جابر حفظ هذا اللفظ، وابن عباس روى خطبة بلفظ أوسع، ولا تثبت الزيادة أو ترد بمجرد المقارنة، وإنما العبرة بحال إسنادها.
فالطريق المرفوع الأقوى للفظ «كتاب الله وسنة نبيه» هو حديث ابن عباس من رواية ابن أبي أويس عن أبيه عن ثور عن عكرمة عنه. وفي ابن أبي أويس وأبيه كلام يمنع من الجزم بأن الإسناد من أعلى درجات الصحة، إلا أنهما لم يتركا، بل هما من أهل الصدق في الجملة، وقد وثق أو قبل كل واحد منهما جماعة، وتابع أصل الخبر بلاغ مالك، وجاء من طرق أخرى عن ابن عباس وأبي هريرة وعمرو بن عوف وإن كان في كل منها ضعف، واشتهر الحديث عند أهل العلم حتى قال ابن عبد البر ما تقدم.
(إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ) أي أبقيت بينكم بعد وفاتي من الوحي والهدي ما يكون مرجعًا لكم، فلا تنقطع الأمة بموت نبيها ﷺ عن طريق الهداية (مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ) أي تمسكتم به ولزمتموه علمًا وعملًا وتحاكمًا، والاعتصام أبلغ من مجرد المعرفة والحفظ؛ فقد يعرف المرء الحق ثم يعرض عنه (فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا) أي إن لزمتم هذا الهدى حقًا عصمكم الله من الضلالة؛ فالوعد معلق بالاعتصام، لا بمجرد الانتساب إلى الكتاب والسنة أو رفع شعارهما (كِتَابَ اللهِ) أي القرآن الذي أنزله الله هدى وبيانًا وفرقانًا، وهو الأصل الأول الذي ترد إليه العقائد والأحكام والأخلاق (وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ) أي هديه الثابت عنه ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، فالسنة بيان للكتاب وتفصيل لمجمله وتخصيص لعامه وتقييد لمطلقه، ولا يراد بالسنة كل ما نسب إلى النبي ﷺ، وإنما ما ثبت عنه؛ إذ الكذب عليه ليس من سنته.