تخريج حديث 1827: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.”
أورده ابن حبان في صحيحه،1 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».2 وقال البيهقي في طريق بشر بن بكر: «جود إسناده بشر بن بكر، وهو من الثقات».3 وأورده الضياء في المختارة،4 وقال النووي: «حديث حسن».5 وقال ابن حجر بعد جمع طرقه: «هذا حديث حسن»، وقال: «وبمجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلًا».6 وصححه الألباني.7
لكن أنكر الإمام أحمد رفع الحديث إنكارًا شديدًا، وقال: «ليس يروى فيه إلا عن الحسن، عن النبي ﷺ» يعني مرسلًا.8 وسئل عن الطريق المرفوع من حديث ابن عباس فقال في وجه آخر منه: «ليس هذا مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس قوله».9 وقال أبو حاتم الرازي بعد أن ذكرت له طرق الأوزاعي ومالك وابن لهيعة المرفوعة: «هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة»، وقال في طريق الأوزاعي: «لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء، إنما سمعه من رجل لم يسمه»، ثم قال: «ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده».10 ورجح ابن رجب حكم المتقدمين بعد جمع الاختلاف فقال: «وهذا بالمرسل أشبه».11
رواه ابن ماجه،1 والطبراني،2 من طريق محمد بن المصفى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، مرفوعًا بلفظ: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وهذا الطريق معلول؛ فالوليد بن مسلم أسقط من الإسناد عبيد بن عمير، وجاء الحديث من طريق بشر بن بكر بزيادته بين عطاء وابن عباس.
ورواه الطحاوي،3 وابن حبان،4 والدارقطني،5 والحاكم،6 والبيهقي،7 والضياء،8 من طرق عن الربيع بن سليمان، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، مرفوعًا بلفظ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وقال البيهقي: «جود إسناده بشر بن بكر، وهو من الثقات».9
وهذا الإسناد هو عمدة من صحح الحديث؛ فإن رجاله ثقات، وظاهره الاتصال. لكن العلة ليست في عدالة بشر بن بكر ولا في عبيد بن عمير، وإنما في أصل حمل الأوزاعي للحديث عن عطاء؛ فقد قال أبو حاتم، وهو من أئمة العلل العارفين بحديث الشاميين واختلاف أصحاب الأوزاعي: «لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء، إنما سمعه من رجل لم يسمه»، ثم قال: «ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده».10 فزيادة عبيد بن عمير وإن حسنت صورة الإسناد لا تدفع العلة التي ذكرها أبو حاتم؛ لأنها متقدمة عليها، وهي عدم ثبوت سماع الأوزاعي لهذا الحديث من عطاء أصلًا.
وقد أنكر أحمد هذا الطريق والحديث المرفوع كله إنكارًا شديدًا، وقال: «ليس يروى فيه إلا عن الحسن، عن النبي ﷺ» مرسلًا.11 وهذه عبارة ناقد اطلع على اختلاف طرق الباب، فلا يعارضها مجرد كون رجال بعض الأسانيد ثقات؛ فإن العلة هنا علة رواية وحفظ، لا جرح في الرواة.
والمحفوظ عن الحسن البصري مرسلًا؛ رواه عبد الرزاق،12 وسعيد بن منصور،13 وابن أبي شيبة،14 من طريق هشام بن حسان، عن الحسن، عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَفَا لَكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهْتُمْ عَلَيْهِ». وهذا هو الوجه الذي أشار إليه الإمام أحمد بقوله: «ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي ﷺ».15
ورواه سعيد بن منصور،16 من طريق هشيم، عن منصور وعوف، عن الحسن من قوله: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ النِّسْيَانِ، وَالْخَطَأِ، وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وهذا موقوف على الحسن، وإسناده إليه صحيح، وهو مما يقوي أن أصل الخبر كان معروفًا عند الحسن، وأن رفعه عنه وقع في بعض الروايات.
وجاء مرسلًا أيضًا عن عطاء؛ رواه ابن أبي شيبة،17 من طريق يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ ثَلَاثٍ: الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وهذا يوافق من جهة الإرسال ما رجحه أئمة العلل.
وروي عن ابن عباس من غير طريق الأوزاعي بأوجه أخرى؛ فمنها طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن سعيد بن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعًا، وقد أنكره أحمد وقال: «ليس هذا مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس قوله».18 ومسلم بن خالد ضعيف. وجاء من طريق بقية بن الوليد عن شيوخ مجهولين، ومن طريق عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعبد الرحيم متروك أو شديد الضعف؛ فلا يصلح شيء من ذلك لمعارضة حكم أحمد وأبي حاتم.
وروي من حديث ابن عمر مرفوعًا من طريق الوليد بن مسلم، عن مالك، عن نافع، عنه، وأنكره أحمد وأبو حاتم، وعده الحفاظ باطلًا على مالك. ونقل أبو داود أن الوليد بن مسلم روى عن مالك أحاديث ليس لها أصل.19 فلا يصلح هذا الطريق شاهدًا، بل هو من مناكير الباب.
وروي من حديث عقبة بن عامر من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عنه؛ رواه الطبراني،20 والبيهقي،21 وقد أدخله أبو حاتم مع الطرق التي قال فيها: «هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة».22 فلا يتقوى به الحديث.
وروي من حديث أبي ذر؛ رواه ابن ماجه،23 من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر، مرفوعًا، وأبو بكر الهذلي متروك الحديث، فلا يصلح للاعتبار.
وروي من حديث ثوبان من طريق يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عنه، ويزيد بن ربيعة شديد الضعف، فلا ينهض شاهدًا. وروي من حديث أبي بكرة من طريق جعفر بن جسر، عن أبيه، عن الحسن، عنه، وجعفر وأبوه ضعيفان، وأصل حديث الحسن محفوظ مرسلًا أو من قوله؛ فلا يصح جعل هذه الرواية متابعة للرفع.
وأما اللفظ المشهور: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فقد روي من بعض هذه الطرق بألفاظ متقاربة، لكن المحفوظ في أشهر الطرق المسندة: «وضع» و«تجاوز»، وليس اختلاف اللفظ هو علة الحديث؛ وإنما علته في ثبوت رفعه إلى النبي ﷺ.
وكثرة الطرق هنا لا تقتضي التحسين؛ لأن أئمة العلل لم يكونوا جاهلين بهذه الطرق، بل أنكر أحمد المرفوع مع معرفته بوجوهه، وجمع أبو حاتم عدة أسانيد له ثم حكم عليها بالنكارة، وكشف علة طريق الأوزاعي الذي ظاهره الصحة. والشواهد الأخرى شديدة الضعف أو منكرة، فلا تصلح لمعارضة هذا النقد ولا يقوي بعضها بعضًا؛ إذ الاعتبار إنما يكون بالضعف المحتمل، لا بالمناكير والأباطيل.
ولهذا فالصواب تقديم حكم أحمد وأبي حاتم على تصحيح الحاكم وتحسين من جاء بعدهما ممن نظر إلى ظاهر الإسناد أو مجموع الطرق؛ فالأولان أئمة هذا الشأن، وتعليلهما مبني على معرفة أصل الحديث واختلاف رواته. وقد انتهى ابن رجب بعد استيعاب الطرق إلى موافقتهما فقال: «وهذا بالمرسل أشبه».24
فالراجح أن حديث ابن عباس لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ، والمحفوظ في الباب مرسل الحسن البصري، مع ورود أصل المعنى عن الحسن من قوله. ولا يغير ذلك صحة معنى الحديث؛ فإن الخطأ والنسيان قد ثبت رفع المؤاخذة بهما بأدلة صحيحة مستقلة، والإكراه دل عليه القرآن، لكن صحة المعنى لا تجيز تصحيح إسناد أعله أئمة النقد.
(إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي) أي رفع عنهم المؤاخذة والإثم فيما يقع على الأحوال المذكورة، على فرض ثبوت اللفظ مرفوعًا، ومعناه ثابت بأدلة أخرى (الْخَطَأَ) وهو وقوع الفعل على غير ما قصده صاحبه، فلا يأثم إثم المتعمد، وقد قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (وَالنِّسْيَانَ) وهو ذهول الإنسان عما كان يعلمه، وقد ثبت في صحيح مسلم أن الصحابة لما قالوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ».1 (وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) أي ما حملوا عليه بغير اختيارهم إكراهًا معتبرًا، وقد دل القرآن على سقوط الإثم عن المكره حتى في كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وليس معنى رفع المؤاخذة سقوط جميع الأحكام والضمانات؛ فالقاتل خطأ تلزمه الدية والكفارة، ومن أتلف مال غيره خطأ ضمنه، ومن نسي الصلاة وجب عليه فعلها إذا ذكرها، فرفع الإثم شيء وسقوط الأحكام الوضعية وحقوق العباد شيء آخر.