قال ابن حجر في إسناد المُنْتَجِع من الطريق نفسه: «بسند مجهول».1 وضعفه عصام الدين الصابطي فقال: «فالحديث إسناده ضعيف لجهالة حال ناجية بن محمد المنتجع، ولعله لا تثبت لجده هذا صحبة».2
المصادر والمراجع
1الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 211 رقم 8211 ط دار الكتب العلمية)
2جامع الأحاديث القدسية - قسم الضعيف والموضوع (رقم 493)
تخريج الحديث
رواه الرافعي،1 من طريق علي بن القاسم الهاشمي، عن عبد الله بن هشام الرَّقِّي، عن ناجية، عن جده المُنْتَجِع النَّجدي، مرفوعًا. وأورده الديلمي في «الفردوس» عن المنتجع، وقد حفظ ابن حجر إسناده في «الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس» من طريق علي بن القاسم به.2
وناجية هذا ذكره البخاري ولم يزد على قوله: «ناجية بن ابن المنتجع، عن جده المنتجع، عن النبي ﷺ في بني إسرائيل».3 فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولا يُعرف له راوٍ معتبر سوى ما جاء في هذا الطريق، فلا تثبت عدالته ولا ضبطه.
وأما المُنْتَجِع النَّجدي فذكره أبو موسى في الصحابة بهذا الإسناد، فقال ابن الأثير في خبره: «وهو غريب».4 وقال ابن حجر عند ترجمته: إن أبا سعيد النقاش ذكره وساق إليه «بسند مجهول».5 فحتى ثبوت صحبته مبني على هذا الطريق المجهول، فلا يصح تقوية الخبر بدعوى أن منتهاه صحابي ثابت الصحبة.
وقد روي عن المُنْتَجِع بهذا الإسناد خبر آخر طويل في نبي من أنبياء بني إسرائيل؛ رواه أبو سعيد النقاش من طريق علي بن القاسم، عن عبد الله بن هشام، عن ناجية، عن جده المنتجع، وقال في آخره: «هذا حديث لا أعلم له راويا غير عبد الله بن هشام، وعنه علي بن القاسم».6 وهذا يؤكد غرابة هذا الإسناد وانحصاره في رجال مجهولين، ولا يصلح ذلك الخبر متابعة؛ لأنه نفس الطريق.
والأهم أن معنى الحديث ورد من غير طريق النبي ﷺ على أنه من أخبار بني إسرائيل؛ فرواه أبو نعيم عن وَهْب بن مُنَبِّه أنه قال: «أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه...» ثم ذكر كلامًا طويلًا، وفيه معنى: «وما غضبت على شيء كغضبي على من أخطأ خطيئة فاستعظمها في جنب عفوي...».7 فهذه الرواية لا تشهد للمرفوع؛ لأنها من أخبار وَهْب عن الأنبياء السابقين، وليست حديثًا عن النبي ﷺ.
ورواه أبو نعيم أيضًا عن أبي سليمان الدَّاراني أنه قال صراحة: «قرأت في بعض الكتب يقول الله عز وجل...» ثم ساق كلامًا طويلًا شديد الشبه بلفظ حديث المُنْتَجِع، وفيه: «ما غضبت على أحد كغضبي على من أذنب ذنبًا فاستعظمه في جنب عفوي...» وذكر أيضًا القانطين من الرحمة، والخوف من المقام بين يدي الله، وجزاءهم بالأمن.8
وهذا التشابه القوي بين لفظ المُنْتَجِع المرفوع وبين ما حكاه وَهْب عن بعض الأنبياء، وما قال أبو سليمان إنه قرأه «في بعض الكتب»، قرينة قوية على أن أصل الكلام من المواعظ والإسرائيليات التي كانت تتداول في الكتب، ثم روي مرفوعًا بهذا الإسناد المجهول.
المصادر والمراجع
1التدوين في أخبار قزوين (2/ 452 ت عزيز الله العطاردي)
2الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس (ص578-579 رقم 3014 ت وسيم عصام شبلي)
3التاريخ الكبير (8/ 108 رقم 2370 ط دائرة المعارف العثمانية)
4أسد الغابة في معرفة الصحابة (4/ 415)
5الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 211 رقم 8211 ط دار الكتب العلمية)
6فنون العجائب (ص52 رقم 34)
7حلية الأولياء (4/ 60-61 ط السعادة)
8حلية الأولياء (9/ 255-256 ط السعادة)
شرح الحديث
(جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ) عن عظم رحمة الله وشمولها لعباده وكثرة عفوه ومغفرته (مَا غَضِبْتُ عَلَى أَحَدٍ غَضَبِي عَلَى عَبْدٍ أَتَى مَعْصِيَةً فَتَعَاظَمَهَا فِي جَنْبِ عَفْوِي) أذنب ذنبًا ثم استبعد أن يعفو الله عنه لعظم الذنب في نفسه، فغلب عليه اليأس من المغفرة، وليس المراد تهوين المعصية أو استصغارها، وإنما ذم القنوط من رحمة الله (فَلَوْ كُنْتُ مُعَجِّلًا الْعُقُوبَةَ، أَوْ كَانَتِ الْعَجَلَةُ مِنْ شَأْنِي) على مقتضى هذا الكلام: لو كانت العقوبة تقع عاجلًا دون إمهال وتوبة (لَعَجَّلْتُ لِلْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي) القانطون هم الآيسون من رحمة الله، أي لكانوا أحق بالعقوبة لما وقعوا فيه من سوء الظن برحمة الله واليأس منها (وَلَوْ لَمْ أَرْحَمْ عِبَادِي إِلَّا مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيَّ) أي لو لم يكن لهم من أسباب الرحمة إلا خوفهم من الحساب والوقوف بين يدي الله لكان ذلك سببًا يرجى لهم به الخير (لَشَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُمْ) لأثابهم على خوفهم، فالله سبحانه هو الشكور الذي يجزي على العمل اليسير الجزاء الكثير (وَجَعَلْتُ ثَوَابَهُمْ مِنْهُ الْأَمْنَ لِمَا خَافُوا) لجعل جزاء خوفهم في الدنيا الأمن يوم القيامة مما كانوا يخافونه. وهذه التفاصيل لا تثبت بهذا الحديث عن الله تعالى ولا عن النبي ﷺ؛ وإنما الثابت بأدلة صحيحة أن القنوط من رحمة الله مذموم، وأن رحمة الله واسعة، وأن المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء.