احتج به البخاري في صحيحه،1 ومسلم في صحيحه،2 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».3 وقال الدارقطني بعد ذكر الاختلاف في بعض طرق أبي سلمة: «والمتصل صحيح».4 وقال ابن عبد البر بعد ذكر من رواه مرسلًا وموصولًا: «والصحيح أنه مسند متصل وله متابعات».5
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (1897، 2841، 3216، 3666)
2صحيح مسلم (2/ 711 رقم 1027 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن الترمذي (رقم 3674 ت بشار)
4علل الدارقطني (رقم 1403)
5الاستذكار (4/ 144)
تخريج الحديث
رواه مالك،1 والبخاري،2 ومسلم،3 والترمذي،4 والنسائي،5 من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، مرفوعًا. ولفظ البخاري: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير...» ثم ذكر أبواب الصلاة والجهاد والصيام والصدقة، وفي آخره قول النبي ﷺ لأبي بكر: «نعم، وأرجو أن تكون منهم».6
وقد اختلف على مالك في وصله؛ فوصله عنه يحيى بن يحيى، ومَعْن بن عيسى، وعبد الله بن المبارك وغيرهم، ورواه يحيى بن بُكير وعبد الله بن يوسف عن مالك، عن الزهري، عن حُميد مرسلًا. وقال ابن عبد البر: «تابع يحيى على توصيل هذا جماعة الرواة إلا ابن بكير فإنه أرسله... وكذلك رواه عبد الله بن يوسف عن مالك... مرسلًا»، ثم ساق من وصله عن مالك.7 وقد رجح ابن عبد البر الوصل، وهو الموافق لرواية الجماعة وللطرق المستقلة عن مالك.8
ورواه البخاري،9 ومسلم،10 من طريق شَيْبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل هلم»، فقال أبو بكر: «ذاك الذي لا توى عليه»، فقال النبي ﷺ: «إني لأرجو أن تكون منهم».11 فهذا طريق صحيح مستقل عن طريق الزهري عن حُميد، يزيد الحديث ثبوتًا.
وجاء أيضًا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، واختلف فيه؛ فرواه محمد بن إسحاق، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة موصولًا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة مرسلًا. فحكم الدارقطني بعد جمع الخلاف بقوله: «والمتصل صحيح».12 وهذا الاختلاف لا يعل أصل الحديث؛ لأنه ثابت من طريق الزهري عن حُميد، ومن طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وهما طريقان صحيحان.13
وله شاهد صحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه؛ رواه النسائي،14 وأحمد،15 والدارمي،16 من طرق عن الحسن البصري، عن صَعصعة بن معاوية، عن أبي ذر، مرفوعًا: «ما من عبد مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده»، قال: وكيف ذلك؟ قال: «إن كانت إبلًا فبعيرين، وإن كانت بقرًا فبقرتين».17 وروى البزار هذا الطريق، وقال: «وهذا الحديث قد رواه بهذا اللفظ ونحوه جماعة عن الحسن».18
وهذا الشاهد يفسر المراد بـ«زوجين»؛ أي اثنين من جنس المال الذي ينفق، كبعيرين أو فرسين أو درهمين ونحو ذلك. وقد قال الحسن البصري في تفسيره: «زوجين: درهمين، دينارين، عبدين، من كل شيء اثنين» ونقله ابن عبد البر.19 وقال ابن عبد البر: «معناه عند أهل العلم: من أنفق شيئين من نوع واحد»، ثم حمله أيضًا على أقل التكرار والمداومة على العمل.20
فالحديث ثابت عن أبي هريرة من طريقين أصليين صحيحين: الزهري عن حُميد بن عبد الرحمن، ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وقد أخرجه البخاري ومسلم من كليهما، فلا تؤثر فيه الرواية المرسلة عن بعض أصحاب مالك ولا الإرسال الواقع في بعض طرق محمد بن إبراهيم؛ لأن الوصل محفوظ من وجوه مستقلة صحيحة، وله شاهد ثابت من حديث أبي ذر. فالحديث صحيح متفق عليه لا مطعن في أصله.
المصادر والمراجع
1موطأ مالك (2/ 469 رقم 1036)
2صحيح البخاري (1897)
3صحيح مسلم (2/ 711 رقم 1027 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4سنن الترمذي (رقم 3674 ت بشار)
5سنن النسائي (5/ 9 رقم 2439)
6صحيح البخاري (1897)
7التمهيد (7/ 183-184)
8الاستذكار (4/ 144)
9صحيح البخاري (2841، 3216)
10صحيح مسلم (2/ 711 رقم 1027 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
11صحيح البخاري (2841)
12علل الدارقطني (رقم 1403)
13صحيح البخاري (1897، 2841)
14سنن النسائي (6/ 48-49 رقم 3185)
15مسند أحمد (35/ 270 رقم 21341 ط الرسالة)
16مسند الدارمي (3/ 1555 رقم 2447 ت حسين سليم أسد)
17سنن النسائي (6/ 48-49 رقم 3185)
18مسند البزار (9/ 349 رقم 3909)
19الاستذكار (5/ 147)
20الاستذكار (5/ 147)
شرح الحديث
(مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) أي أنفق اثنين من جنس ما ينفق، كدرهمين أو دينارين أو بعيرين أو فرسين، وقيل يدخل فيه تكرير العمل والإنفاق مرة بعد مرة، والمقصود الحث على ملازمة أبواب الخير وعدم الاقتصار على الفعل العارض (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي طلبًا لمرضاة الله وثوابه، وهو أعم من الجهاد عند جماعة من الشراح، وإن كان الجهاد من أجل صوره (نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) أي نادته ملائكة أبواب الجنة تكريمًا له وترغيبًا في الدخول (يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ) أي هذا الباب وما أعد الله لأهله خير عظيم فهلم إليه (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) أي ممن غلب عليه الإكثار من الصلاة بعد أداء الفرائض، وكذلك أهل الجهاد والصدقة والصيام، فليس المراد أن غيرهم لا يصلي أو يصوم، وإنما نسبة الإنسان إلى العمل الذي أكثر منه ولازمه (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) وهو الباب الذي خصه الله بالصائمين، وسمي الريان مناسبةً لما تحملوه من العطش (مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) أي إن من دعي من باب واحد فقد حصل له الفوز، فلا خسارة عليه إن لم يدع من سائر الأبواب (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟) سأل أبو بكر عن أعلى مراتب أهل الطاعة ممن جمع خصال البر حتى استحق أن تدعوه أبواب الجنة جميعًا (نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) وهذه منقبة عظيمة لأبي بكر رضي الله عنه، لما جمعه من أنواع الطاعات وسبقه فيها.
فوائد الحديث
في الحديث فضل الإنفاق في طاعة الله، وأن القليل إذا لازمه العبد وأخلص فيه عظم أجره.
وفيه أن أبواب الجنة مرتبطة بأنواع من الأعمال، وأن من غلب عليه عمل صالح عرف به ودعي من بابه.
وفيه فضل الجمع بين أنواع الطاعات وعدم الاقتصار على باب واحد لمن قدر على ذلك.
وفيه منقبة ظاهرة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ شهد له النبي ﷺ برجاء أن يكون ممن تدعوهم أبواب الجنة كلها.
وفيه أن الناس يختلفون فيما يفتح الله لهم من أعمال البر؛ فقد يفتح لأحد في الصلاة، ولآخر في الصدقة، ولآخر في الصيام أو الجهاد، ومن جمع أبواب الخير كان أكمل.
وفيه أن لفظ «في سبيل الله» قد يأتي أعم من خصوص الجهاد بحسب السياق، فيشمل طلب مرضاة الله في وجوه البر.
وفيه دقة أئمة العلل؛ فقد عرفوا الاختلاف في وصل بعض طرق الحديث وإرسالها، ومع ذلك حكم الدارقطني بأن المتصل صحيح، لأن الوصل محفوظ من عدة أوجه، وهذا مثال على أن مجرد وجود طريق مرسل لا يعل الحديث إذا قامت الطرق الصحيحة المستقلة على وصله.