قال الترمذي كما في بعض نسخ جامعه: «هذا حديث حسن غريب».1 وقد جاء في نسخ أخرى: «هذا حديث غريب».2 وقال البزار بعد ذكر الاختلاف: «وأحسب أن حديث عمران أن النبي ﷺ قال لأبيه أصوب».3
لكن سأل الترمذي محمد بن إسماعيل البخاري عن الحديث، فقال: «فلم يعرفه إلا من حديث أبي معاوية»، ثم قال البخاري: «وروى موسى بن إسماعيل هذا الحديث عن جُوَيْرية بن بشير، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا».4 وقال الترمذي كما في بعض النسخ :«هذا حديث غريب.5 وقال أبو حاتم في شبيب بن شيبة: «ليس بقوي»، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال: «ليس بثقة».6 ونفى يحيى القطان وأحمد وعلي بن المديني وأبو حاتم ثبوت سماع الحسن من عمران بن حصين؛ وقال أبو حاتم: «لم يسمع الحسن من عمران بن حصين، وليس يصح من وجه يثبت».7 وضعفه الألباني.8
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (5/ 397 رقم 3789 ط الرسالة)
2سنن الترمذي (5/ 397 رقم 3483 ت بشار)
3مسند البزار (9/ 53-54 رقم 3579-3580 ت محفوظ الرحمن زين الله)
4العلل الكبير للترمذي (ص364 رقم 448 ت صبحي السامرائي وأبي المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
5سنن الترمذي (5/ 520)
6الجرح والتعديل (4/ 358 ط دائرة المعارف العثمانية)
7المراسيل لابن أبي حاتم (ص38-39 رقم 119-125 ت شكر الله نعمة الله قوجاني)
8ضعيف سنن الترمذي (رقم 3483)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي عاصم،1 والترمذي،2 والبزار،3 والروياني،4 والطبراني،5 من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن شبيب بن شيبة، عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال لأبيه حُصين بن عبيد الخزاعي: «يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟...» فذكر الحديث.
وهذا الطريق معلول من جهتين؛ الأولى: شبيب بن شيبة أبو معمر التميمي، وهو ضعيف في الحديث؛ قال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: «ليس بالقوي»، وقال أبو داود: «ليس بشيء»، وضعفه النسائي والدارقطني.6 وقال ابن حبان: «كان يهم في الأخبار ويخطئ إذا روى غير الأشعار، لا يحتج بما انفرد به من الأخبار».7 وهذه الرواية مما انفرد به عنه أبو معاوية فيما عرفه البخاري.8
والثانية: أن سماع الحسن البصري من عمران بن حصين غير ثابت عند أئمة العلل؛ قال علي بن المديني: «الحسن لم يسمع من عمران بن حصين، وليس يصح ذلك من وجه يثبت»، وأنكر أحمد أن يكون الحسن قال: «حدثني عمران بن حصين»، وقال أبو حاتم: «لم يسمع الحسن من عمران بن حصين، وليس يصح من وجه يثبت».9 وهذا يوافق الوجه الذي حكاه البخاري للحديث عن الحسن مرسلًا.
وقد روى موسى بن إسماعيل، عن جُوَيْرية بن بشير، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، وحكى البخاري هذا الوجه حين سأله الترمذي عن الحديث.10 ووجود الرواية المرسلة مع ضعف شبيب وعدم ثبوت سماع الحسن من عمران يقوي أن إدخال عمران في إسناد الحسن غير محفوظ، وأن المرسل أشبه.
ورواه البزار،11 من طريق أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، عن عمران بن حصين، بنحو حديث شبيب. وهذه متابعة في الظاهر، لكن العباس بن عبد الرحمن مجهول الحال، ولم يذكر له المزي توثيقًا، وروى عنه داود بن أبي هند.12 ثم إن البخاري، مع معرفته بطرق الحديث، قال إنه لم يعرفه إلا من حديث أبي معاوية، مما يجعل طريق العباس محل نظر ولا يقوى به الحديث.13
وقد نبه البزار إلى اختلاف آخر في إسناد القصة، فقال: «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي ﷺ إلا عمران بن حصين وأبوه، وقد اختلفوا في إسناده؛ فقال رِبعي بن حراش: عن عمران بن حصين، عن أبيه، وقال الحسن والعباس بن عبد الرحمن: عن عمران أن النبي ﷺ قال لحصين، وأحسب أن حديث عمران أن النبي ﷺ قال لأبيه أصوب».14 فالبزار رجح أن يكون الحديث من مسند عمران نفسه لا من مسند أبيه حصين.
وجاء أصل آخر للقصة من طريق منصور بن المعتمر، عن رِبعي بن حراش، عن عمران بن حصين -أو غيره- أن حصينًا أتى النبي ﷺ، وفيه أن النبي ﷺ علمه أن يقول: «اللهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري»، ثم لما أسلم زاده دعاء المغفرة. رواه أحمد،15 وابن حبان،16 وهذا الطريق أقوى من طريق شبيب من جهة الرجال، لكنه ليس نفس السياق؛ فلا توجد فيه قصة الآلهة السبعة، ولا لفظ «اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي»، وفي إسناده نفسه شك: «عن عمران بن حصين أو غيره». فهو يشهد لأصل قصة مجيء حصين إلى النبي ﷺ وتعليمه دعاءً يتعلق بشر النفس والرشد، ولا يصح أن يجعل متابعة تامة للفظ محل البحث.
ووقع في بعض الروايات اختلاف في لفظ الدعاء؛ فرواية الترمذي المشهورة: «اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي»،17 ووقع عند الطبراني في بعض النسخ: «وأعدني رشد نفسي»، وهو تصحيف فيما يظهر؛ لاتفاق روايات أبي معاوية عند الترمذي وابن أبي عاصم والبزار والروياني على «وأعذني من شر نفسي».
فالحديث المرفوع بهذا السياق يدور أصلًا على رواية شبيب بن شيبة، عن الحسن، عن عمران، وشبيب ضعيف، ولم يثبت سماع الحسن من عمران عند جماعة من كبار أئمة العلل، وقد عرف البخاري هذا الحديث من طريق أبي معاوية وحده ثم نبه إلى روايته مرسلًا عن الحسن. وأما طريق العباس بن عبد الرحمن فضعيف لجهالته، ولا سيما مع عدم معرفة البخاري له، وطريق رِبعي إنما يشهد لأصل آخر من القصة والدعاء ولا يحمل نفس المتن. فالراجح أن المرفوع بهذا اللفظ ضعيف، والمحفوظ عن الحسن مرسل، وإن كان أصل سؤال الله الرشد والاستعاذة من شر النفس ثابت المعنى بأحاديث صحيحة أخرى.
المصادر والمراجع
1الآحاد والمثاني (4/ 323 رقم 2355 ت باسم فيصل أحمد الجوابرة)
2سنن الترمذي (5/ 397 رقم 3483 ت بشار)
3مسند البزار (9/ 53 رقم 3579 ت محفوظ الرحمن زين الله)
4مسند الروياني (1/ 105 رقم 85 ت أيمن علي أبو يماني)
5المعجم الكبير (18/ 174 رقم 396 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
6تهذيب الكمال (12/ 366-369 ت بشار)
7المجروحين (2/ 385 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
8العلل الكبير للترمذي (ص364 رقم 448 ت صبحي السامرائي وأبي المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
9المراسيل لابن أبي حاتم (ص38-39 رقم 119-125 ت شكر الله نعمة الله قوجاني)
10العلل الكبير للترمذي (ص364 رقم 448 ت صبحي السامرائي وأبي المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
11مسند البزار (9/ 53-54 رقم 3580 ت محفوظ الرحمن زين الله)
12تهذيب الكمال (14/ 222 ت بشار)
13العلل الكبير للترمذي (ص364 رقم 448 ت صبحي السامرائي وأبي المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
14مسند البزار (9/ 53-54 رقم 3580 ت محفوظ الرحمن زين الله)
15مسند أحمد (33/ 197 رقم 19992 ط الرسالة)
16صحيح ابن حبان (3/ 181 رقم 899 ت شعيب الأرناؤوط)
17سنن الترمذي (5/ 397 رقم 3483 ت بشار)
شرح الحديث
(كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟) أي كم معبودًا تتخذه من دون الله، وكان حصين يومئذ على الشرك، على ما في هذه الرواية (سَبْعَةً؛ سِتَّةً فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ) أي كان له معبودات متعددة، مع إقراره بأن الإله الذي فوق السماء هو الذي يرجع إليه في أعظم حاجاته (فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟) أي أيهم تقصده عند شدة الرجاء والخوف والحاجة، فأجاب: «الذي في السماء»، وفي هذا بيان تناقض المشرك؛ فإنه يقر بأن الله هو المقصود عند الرغبة والرهبة ثم يجعل معه آلهة لا تملك له نفعًا ولا ضرًا (اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي) أي وفقني للصواب والهدى في أمري، واجعل معرفة الرشد واتباعه ثابتين في قلبي (وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي) أي احفظني من هوى النفس وشهوتها وجهلها وما تدعو إليه من الشر. وهذا الدعاء حسن المعنى، لكن خصوص نسبته إلى النبي ﷺ في هذه القصة لا يثبت على الراجح لما تقدم من علل الإسناد.