تخريج حديث 1832: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ…»
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَنَا:
إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ.”
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَنَا:
إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ.”
أورده ابن حبان في صحيحه،1 وسكت عنه الإشبلي في الوسطى،2 وقال الهيثمي :«رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».3 وصححه الألباني قبل أن يتراجع عن ذلك «5659».4 وصححه ضياء الرحمن.5
لكن روى أبو داود الحديث من طريق بَكر بن عبد الله المزني مرسلًا، ثم قال: «وهذا أصح الحديثين».6 وقال الدارقطني بعد جمع الاختلاف على داود بن أبي هند: «والصحيح حديث أبي حرب بن أبي الأسود، المرسل عن أبي ذر».7 وقال أبو حاتم في رواية بَكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر: «مرسل».8 وأعله الوادعي،9 وضعفه الألباني في آخر قول له. «6664».10
رواه أحمد،1 وأبو داود،2 وابن حبان،3 والبيهقي،4 والبغوي،5 من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذر، مرفوعًا. إلا أن رواية أحمد جاءت بزيادة أبي الأسود بين ابنه أبي حرب وأبي ذر: أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذر.6 بينما وقع عند أبي داود،7 وابن حبان،8 بإسقاط أبي الأسود.
أبو حرب بن أبي الأسود الدّيلي لم يحفظ له سماع من أبي ذر، وقد قال المزي في ترجمته: روى عن أبي ذر، «والصحيح عن أبيه، عن أبي ذر» وذكر أيضًا روايته بواسطة عمه عن أبي ذر.9 فطريق أبي داود وابن حبان على صورتهما منقطع، وأما طريق أحمد فقد وصل بإثبات أبي الأسود بينهما، لكنه خولف في ذلك، ولم ير أئمة العلل الوصل محفوظًا.
وقد اختلف على داود بن أبي هند اختلافًا كثيرًا؛ فذكر الدارقطني أن أبا معاوية رواه عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي ذر، وأن العباس بن يزيد رواه كذلك عن أبي معاوية، ثم قال: «وخالفه غير واحد عن أبي معاوية فأرسله». وذكر وجهًا آخر عن داود، عن بَكر المزني، عن أبي ذر، رواه حفص بن غياث وخالد الواسطي عن داود، ثم رجح فقال: «والصحيح حديث أبي حرب بن أبي الأسود، المرسل عن أبي ذر».10 فهذا ترجيح صريح من إمام العلل بعد معرفته بأوجه الوصل والإرسال، فلا يصح تركه لمجرد أن صورة إسناد أحمد متصلة ورجالها ثقات.
ورواه أبو داود،11 من طريق وهب بن بقية، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن بَكر بن عبد الله المزني، أن النبي ﷺ بعث أبا ذر بهذا الحديث، ثم قال أبو داود عقب هذا الوجه: «وهذا أصح الحديثين».12 وهذا الوجه مرسل ظاهر؛ لأن بَكرًا تابعي لم يدرك الواقعة، ولم يسمع من أبي ذر أيضًا؛ فقد قال أبو حاتم: «بَكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر مرسل».13
وروي عن داود بن أبي هند، عن بَكر بن عبد الله المزني، عن أبي ذر موصولًا إلى أبي ذر من طريق عبد الرحيم بن سليمان، بلفظ: «إذا غضبت فاقعد، فإن لم يذهب عنك فاضطجع فإنه سيذهب»، رواه ابن أبي شيبة كما ذكر ابن حجر،14 لكن هذا أيضًا منقطع؛ لأن بَكرًا لم يسمع من أبي ذر كما تقدم، فلا يكون طريقًا مستقلًا يقوي المرفوع. وقد نص أبو حاتم على إرسال روايته عنه.15
فمدار الحديث على داود بن أبي هند، وقد اضطرب عليه فيه: فرواه بعضهم عن أبي حرب عن أبي الأسود عن أبي ذر، ورواه آخرون عن أبي حرب عن أبي ذر بإسقاط الواسطة، وجاء عنه من طريق بَكر المزني عن أبي ذر، وجاء عن بَكر مرسلًا عن النبي ﷺ. ولم يخف هذا الاختلاف على أئمة النقد؛ فأبو داود رجح الوجه المرسل عن بَكر، والدارقطني بعد استيعاب الاختلاف رجح إرسال أبي حرب عن أبي ذر، وأبو حاتم حكم بانقطاع بَكر عن أبي ذر. فاتفاق هؤلاء النقاد على عدم حفظ الاتصال أقوى من تصحيح الإسناد باعتبار رجاله.
ولا يصح أن يقال: إن زيادة أبي الأسود في «مسند أحمد» تحسم الخلاف؛ لأن قاعدة «زيادة الثقة مقبولة» ليست مطلقة في باب العلل، فإذا اختلف الثقات في الوصل والإرسال والزيادة والنقص، فالمرجع إلى قرائن الحفظ والترجيح عند أئمة النقد، وقد حكم أبو داود والدارقطني هنا بخلاف الوجه الموصول. كما أن المزي نفسه نص في ترجمة أبي حرب على أن الصحيح في روايته عن أبي ذر وجود واسطة.16
فالراجح أن الحديث لا يثبت مرفوعًا متصلًا إلى النبي ﷺ، والمحفوظ فيه الإرسال والانقطاع. وأما إيراد ابن حبان له في صحيحه وتصحيح بعض المتأخرين لإسناده فمبني على ظاهر بعض طرق الوصل، ولا يقدم ذلك على تعليل أبي داود والدارقطني المبني على جمع اختلاف أصحاب داود بن أبي هند.
وصح في الباب عن سليمان بن صرد قال: «كنت جالسا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي ﷺ: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوذ بالله من الشيطان فقال: وهل بي جنون».17
(إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ) على فرض ثبوت الحديث يُشرع للغضبان أن يغير الهيئة التي هو عليها، لأن القائم أقدر على الحركة والاندفاع والبطش، فإذا جلس كان أبعد عن المبادرة بما يندم عليه (فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ) إن سكنت ثورته وحصل المقصود اكتفى بالجلوس (وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ) أي إن بقي غضبه انتقل إلى هيئة أبعد عن الحركة والبطش. قال الخطابي: «القائم متهيئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما»، ثم بين أن المقصود منع صدور البادرة حال الغضب.1 وقد نقله البغوي في شرح الحديث.2 ومعنى تهدئة الغضب ومنع آثاره ثابت بأصول صحيحة، لكن تخصيص هذه الهيئات الثلاث على أنها سنة نبوية بهذا الحديث لا يجزم به لضعف رفعه.