تخريج حديث 1833: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟.…»
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟. قَالَ: امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ.”
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟. قَالَ: امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ.”
قال الترمذي: «هذا حديث حسن».1 وقال البغوي: «حديث حسن».2 وأورده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى»3 وحسنه ابن حجر كما شرط في مقدمة كتابه.4 وصححه الألباني، وقال: «بل هو أعلى من الحسن، فإن له إسنادًا صحيحًا».5 وقال في موضع آخر: «إسناده حسن».6
لكن تعقب ابن القطان تحسين الترمذي فقال عن طريقه: «وهو أقرب إلى الضعيف؛ فإنه عنده من رواية يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة».7 وقال المناوي: «هو إلى الضعف أقرب».8 وهذا النقد متجه إلى الطريق المشهور الذي أخرجه الترمذي.
رواه ابن المبارك،1 وأحمد،2 والترمذي،3 وابن أبي الدنيا،4 والروياني،5 والبيهقي،6 من طرق عن عبد الله بن المبارك ويحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد الأَلْهاني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي، عن عُقبة بن عامر، مرفوعًا. ولفظ الترمذي: «املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك».
ورواه الطبراني،7 من طريق سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عُقبة بن عامر، به. فهذا كله طريق واحد مداره على عُبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد.
وقد وقع فيه اختلاف؛ فرواه ابن وهب،8 عن يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عُقبة بن عامر، فأسقط أبا أمامة من بين القاسم وعقبة. والمحفوظ في الطريق المشهور إثبات أبي أمامة؛ فقد اتفق عليه ابن المبارك وسعيد بن أبي مريم وغيرهما عن يحيى بن أيوب.9
وطريق الترمذي ضعيف في نفسه؛ فإن علي بن يزيد الأَلْهاني قال فيه البخاري: «منكر الحديث، ضعيف»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة»، وقال في أحاديثه عن القاسم عن أبي أمامة: «ليست بالقوية، هي ضعاف»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال في موضع آخر: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «متروك».10 وعُبيد الله بن زَحر مختلف فيه؛ قال علي بن المديني: «منكر الحديث»، وقال ابن معين في رواية: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم: «لين الحديث»، لكن قال أبو زرعة: «لا بأس به، صدوق»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقال البخاري: «مقارب الحديث، ولكن الشأن في علي بن يزيد».11 فالعلة الأشد في هذا الطريق علي بن يزيد، ولهذا كان تعقب ابن القطان لتحسين هذا الإسناد متجهًا.12
ورواه أحمد،13 من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن مَعان بن رفاعة السَّلامي، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عُقبة بن عامر، مرفوعًا بلفظ: «يا عقبة، احرس لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». فهذا الطريق لم يخرج عن علة علي بن يزيد.
ورواه الطبراني،14 من طريق أبي المغيرة نفسه، عن مَعان بن رفاعة، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عُقبة، بإسقاط علي بن يزيد. ولا يصح جعل هذا الوجه متابعة للقاسم؛ لأن الروايتين تدوران على أبي المغيرة عن مَعان، وقد رواه أحمد عنه بإثبات علي بن يزيد. ومَعان يروي عن علي بن يزيد وعن القاسم جميعًا، فاحتمال السماع المباشر قائم من جهة الإمكان، لكن اختلاف الرواية عن أبي المغيرة يمنع الاعتماد على هذا الوجه في تصحيح الحديث.15
لكن للحديث طريقًا آخر، رواه أحمد،16 والبيهقي،17 من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن أُسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فَروة بن مجاهد اللخمي، عن عُقبة بن عامر، مرفوعًا، وفيه: «يا عقبة بن عامر، أملك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك». وعند البيهقي: «أمسك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك».18
وهذا طريق مستقل لا يمر بعُبيد الله بن زَحر ولا علي بن يزيد ولا القاسم ولا أبي أمامة، وهو عمدة الحديث. وإسماعيل بن عيّاش إنما يخشى من حديثه عن غير أهل الشام، أما روايته عن الشاميين فقد قواها أئمة النقد؛ قال يحيى بن معين: «ثقة فيما روى عن الشاميين»، وقال البخاري: «إذا حدث عن أهل بلده فصحيح»، ونحو ذلك عن أحمد ويعقوب بن شيبة.19 وروايته هنا عن شامي؛ فأُسيد بن عبد الرحمن الخثعمي فلسطيني، وقال يعقوب بن سفيان فيه: «شامي ثقة».20
وفَروة بن مجاهد اللخمي فلسطيني، وقد روى عن عُقبة بن عامر، وروى عنه أُسيد بن عبد الرحمن، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال البخاري فيه: «وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال مستجاب الدعاء».21 ووقع اسم أبيه عند البخاري: «مُجالد»، والمشهور في كتب الرجال والأسانيد: «مجاهد».22
ورواه الطبراني،23 من طريق يحيى بن عثمان بن صالح، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عُقبة بن عامر، مرفوعًا بلفظ: «ما نجاة المؤمن؟ فقال: احفظ لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطئك». وفي هذا الطريق مقال، فلا يعتمد عليه وحده، لكنه لا حاجة إليه في أصل تقوية الحديث بعد ثبوت طريق فَروة بن مجاهد.
وينبغي التنبيه إلى ما ينسب أحيانًا إلى يحيى بن معين من أنه «صحح الحديث» اعتمادًا على كلام في «تاريخ بغداد»؛ فهذا غير دقيق. فالخطيب روى الحديث في ترجمة حاجب بن الوليد، ثم نقل عن ابن معين كلامه في حاجب وأن أحاديثه صحيحة وأنه صحيح الحديث، وليس ذلك حكمًا خاصًا من ابن معين على حديث عُقبة هذا.24 كما أن الطريق المذكور هناك فيه أبو عبد الملك، وهو علي بن يزيد الأَلْهاني، فلا يصلح أن يجعل طريقًا آخر مستقلًا.25
فالطريق المشهور عند الترمذي ضعيف في نفسه بسبب علي بن يزيد الأَلْهاني، ولا يصلح تحسينه بمجرد طريق مَعان بن رفاعة؛ لأن الاختلاف فيه لا يخرجه بوضوح من مدار علي. لكن الحديث لا يدور على هذا الإسناد وحده؛ فقد رواه إسماعيل بن عيّاش عن أُسيد بن عبد الرحمن، عن فَروة بن مجاهد، عن عُقبة بإسناد مستقل، ورواية إسماعيل هنا عن الشاميين، وهي التي قواها أئمة النقد، وأُسيد ثقة، وفَروة مقبول الرواية وقد روى عن عُقبة. فهذا الطريق صالح للاحتجاج في مرتبة الحسن على أقل تقدير، وهو الذي يعضد حكم الترمذي المتقدم: «هذا حديث حسن». فالراجح أن الحديث مرفوع حسن، ولا يتوقف تحسينه على جمع الطرق الواهية، بل له أصل مستقل حسن.
(مَا النَّجَاةُ؟) أي ما الطريق الذي ينجو به العبد من أسباب الهلاك في دينه ودنياه وآخرته، فسأل عُقبة رضي الله عنه عن جماع الأمر الذي يحفظ عليه دينه (امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ) أي كن مالكًا للسانك متحكمًا فيه، فلا يسبقك إلى الكلام المحرم أو المؤذي أو الذي لا خير فيه، وليس المراد ترك الكلام مطلقًا؛ فإن الكلام بالحق والذكر والأمر بالمعروف وتعليم الخير عبادة، وإنما النجاة أن يكون اللسان تابعًا للشرع لا للهوى (وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ) أي اجعل في بيتك سعة لك، فلا تكن مولعًا بالخروج والمخالطة فيما يضر دينك، ولا سيما عند الفتن وكثرة الشر، وليس فيه أمر بترك الجمعة والجماعة وحقوق الأرحام وطلب العلم والواجبات، وإنما المقصود تقليل فضول المخالطة ولزوم السلامة إذا خيفت الفتنة (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) أي استشعر ذنبك واندم عليه وتب منه، والبكاء من آثار صدق الخوف والانكسار، وليس المقصود مجرد خروج الدمع؛ فقد يعجز عنه الإنسان، وإنما الأصل ندم القلب ومحاسبة النفس وعدم الأمن من عاقبة الذنب.