أصلحه أبو داود،1 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».2 وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح».3 وقال الألباني: «إسناده صحيح».4 وصححه أيضًا في إرواء الغليل،5 وصحيح أبي داود،6 وصححه محققو المسند،7 وصححه الوادعي وقال: «هذا حديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا يحيى بن راشد، وقد وثقه أبو زرعة».8
لكن قال أبو حاتم في طريق عمر بن يونس، عن عاصم بن محمد بن زيد، عن المُثنى بن يزيد، عن مَطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بالسياق الطويل: «هذا خطأ؛ الصحيح عن ابن عمر، موقوف».9 وقال المنذري في هذا الطريق: «مطر بن طهمان الوراق، وقد ضعفه غير واحد، وفيه أيضًا المثنى بن يزيد الثقفي، وهو مجهول».10 وقال ابن حجر في جملة: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله»: «له شاهد، وروي من وجه آخر أصح موقوفًا».11 ونقل مصطفى العدوي تعليل أبي حاتم، ثم قال عن طريق عبد الوهاب بن بُخت الموقوف: «ورواية الوقف مرسلة؛ لأن عبد الوهاب بن بخت عن ابن عمر مرسل».12
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (3/ 305 رقم 3597 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2المستدرك على الصحيحين (2/ 32 رقم 2222 ت مصطفى عبد القادر عطا)
3مسند أحمد (7/ 204 ت أحمد شاكر)
4السلسلة الصحيحة (1/ 722 رقم 437)
5إرواء الغليل (7/ 349 رقم 2318)
6صحيح سنن أبي داود (رقم 3597)
7مسند أحمد (9/ 283 رقم 5385 ط الرسالة)
8الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (1/ 755 رقم 755)
9العلل لابن أبي حاتم (5/ 359-362 رقم 2045 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
10مختصر سنن أبي داود (2/ 513)
11فتح الباري (12/ 87 ط السلفية)
12سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (1/ 317)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وأبو داود،2 والحاكم،3 والبيهقي،4 من طرق عن زُهير بن معاوية، عن عُمارة بن غزية، عن يحيى بن راشد، عن عبد الله بن عمر، مرفوعًا. ولفظ أبي داود هو المذكور، وزاد أحمد،5 والحاكم:6 «ومن مات وعليه دين فليس بالدينار ولا بالدرهم، ولكنها الحسنات والسيئات».
يحيى بن راشد هو ابن مسلم، ويقال: ابن كنانة، الليثي أبو هاشم الدمشقي، وليس يحيى بن راشد البصري؛ قال أبو زرعة فيه: «ثقة»، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر المزي روايته عن عبد الله بن عمر.7 بل لفظ الرواية نفسه صريح في اللقاء، إذ قال يحيى: «جلسنا لعبد الله بن عمر، فخرج إلينا فجلس» ثم حكى عنه قوله: «سمعت رسول الله ﷺ».8 فلا انقطاع بين يحيى وابن عمر.
وعُمارة بن غزية الأنصاري صدوق قوي الحديث؛ قال أحمد: «ثقة»، وقال ابن معين: «صالح»، وقال أبو حاتم: «ما بحديثه بأس، كان صدوقًا»، وقال النسائي: «ليس به بأس».9 وأما زُهير بن معاوية فثقة ثبت، فالطريق مستقيم، وليس فيه راو يتوجه إليه ما يوجب رد الحديث.
ورواه أبو داود،10 من طريق عمر بن يونس اليَمامي، عن عاصم بن محمد بن زيد العُمري، عن المُثنى بن يزيد، عن مَطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه، وفيه: «ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله عز وجل». وهذا الطريق هو الذي وقع فيه التعليل؛ فالمُثنى بن يزيد مجهول، ومَطر الوراق مختلف فيه وفي حفظه ضعف.11 وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن رواية هذا الإسناد بسياق أطول، وفيه: «ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله، ومن أعان على خصومة بظلم...» فقال أبو حاتم: «هذا خطأ؛ الصحيح عن ابن عمر، موقوف».12
وهنا موضع التحرير: سؤال ابن أبي حاتم إنما وقع عن حديث مَطر الوراق عن نافع بهذا السياق، وحكم أبو حاتم بأن الصواب فيه الوقف. فلا يصح نقل هذه العلة بلا قيد إلى الطريق الآخر المستقل: زُهير، عن عُمارة، عن يحيى بن راشد، عن ابن عمر. فطريق يحيى ليس فرعًا عن طريق مَطر، ولا يشتركان إلا في ابن عمر، ولم يقل أبو حاتم في النص الذي بين أيدينا: إن رواية يحيى بن راشد خطأ. ونصرة منهج المتقدمين تكون بوضع كلام الناقد في الموضع الذي تكلم فيه، لا بتوسيعه إلى إسناد آخر لم يذكره.
وقد صح عن ابن عمر أصل الجملة الأولى موقوفًا؛ رواه ابن المنذر،13 من طريق محمد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري الزهري، عن أبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، قال: «سمعت عبد الله بن عمر يقول: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه». وأبو سُهيل ثقة، وقد ثبت سماعه من ابن عمر؛ قال البخاري: «قال عمرو بن خالد: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو سهيل أنه سمع ابن عمر».14 وقال أحمد فيه: «من الثقات»، وقال أبو حاتم: «ثقة».15 فهذا وجه متصل مستقل في إثبات الوقف، لا تعلق له بعبد الوهاب بن بُخت.
ورواه ابن المنذر أيضًا،16 من طريق سعيد بن منصور، عن هُشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الوهاب بن بُخت، عن ابن عمر موقوفًا: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره».17 ورواه ابن أبي شيبة من هذا الوجه أيضًا.18
وأما قول العدوي إن رواية عبد الوهاب بن بُخت عن ابن عمر مرسلة، فله أصل؛ فقد قال العلائي: «عبد الوهاب بن بخت المكي عن أبي هريرة وابن عمر وهو مرسل».19 لكن ابن العراقي تعقب العلائي فقال: «لما ذكر المزي روايته عن أبي هريرة قال: يقال مرسل، وأما روايته عن ابن عمر فذكرها ساكتًا عليها».20 وهذا هو الموجود في «تهذيب الكمال»؛ فقد عد المزي ابن عمر من شيوخ عبد الوهاب، ثم خص روايته عن أبي هريرة بقوله: «يقال مرسل».21 فالجزم بأن روايته عن ابن عمر مرسلة ليس محل اتفاق، وتعقب ابن العراقي للعلائي في محله.
ومع ذلك فلا يتوقف إثبات الموقوف على طريق عبد الوهاب أصلًا؛ فقد تقدم طريق أبي سُهيل عن ابن عمر، وفيه التصريح بالسماع، وهو أقوى في دفع هذا الإشكال. ولهذا أصاب ابن حجر من جهة ثبوت الموقوف حين قال: «وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر أصح منه عن ابن عمر موقوفًا».22
وإنما النظر بعد ذلك: هل ثبوت الوقف يوجب إسقاط المرفوع؟. والجواب: لا يلزم؛ لأن الموقوف المحفوظ بهذا الإسناد اقتصر على جملة الشفاعة في الحد، بينما يحيى بن راشد روى عن ابن عمر حديثًا مرفوعًا فيه هذه الجملة ومعها الوعيد على الخصومة بالباطل والبهت في المؤمن. ويجوز أن يروي الصحابي الحديث مرفوعًا ثم يفتي أو يعظ ببعض لفظه من قوله، ولا تكون الرواية الموقوفة علة للمرفوع إلا إذا قامت قرائن النقد على أن الراوي الذي رفعه وهم فيه. وهنا لم نقف على إمام متقدم أعل طريق يحيى بن راشد بعينه.
ورواه أحمد،23 من طريق النعمان بن الزبير، عن أيوب بن سلمان، عن ابن عمر، بسياق أطول قريب، وفيه هذه المعاني، لكن أيوب بن سلمان مجهول العين؛ فلا يعتمد هذا الطريق في التصحيح، وقد أعله الوادعي من هذه الجهة.24
وروي أيضًا من أوجه أخرى عن ابن عمر، وفي بعضها اضطراب أو ضعف؛ فلا حاجة إليها في إثبات أصل المرفوع بعد صحة طريق يحيى بن راشد، ولا يصح جعل الطرق الضعيفة هي عمدة التصحيح أو عمدة التضعيف.
فالخلاصة أن لأثر ابن عمر هنا صورتين محفوظتين: مرفوع صحيح من طريق يحيى بن راشد عنه، وموقوف صحيح في جملة «من حالت شفاعته...» من طريق أبي سُهيل عنه. وأما طريق مَطر الوراق عن نافع مرفوعًا بالسياق الطويل فهو الذي أنكره أبو حاتم، والصواب فيه عنده الوقف. فلا تعارض بين الحكمين، ولا يصح أن نجعل تعليل أبي حاتم لطريق مَطر إعلالًا لطريق يحيى بلا نص أو قرينة. وعليه فالراجح أن الحديث المرفوع المذكور صحيح، مع صحة وقفه في الجملة الأولى أيضًا.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (9/ 283 رقم 5385 ط الرسالة)
2سنن أبي داود (3/ 305 رقم 3597 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
3المستدرك على الصحيحين (2/ 32 رقم 2222 ت مصطفى عبد القادر عطا)
4السنن الكبرى للبيهقي (6/ 135 رقم 11441 ط دائرة المعارف)
5مسند أحمد (9/ 283 رقم 5385 ط الرسالة)
6المستدرك على الصحيحين (2/ 32 رقم 2222 ت مصطفى عبد القادر عطا)
7تهذيب الكمال (31/ 299 ت بشار)
8سنن أبي داود (3/ 305 رقم 3597 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
9الجرح والتعديل (6/ 368 ط دائرة المعارف العثمانية)
10سنن أبي داود (3/ 305 رقم 3598 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
11مختصر سنن أبي داود (2/ 513)
12العلل لابن أبي حاتم (5/ 359-362 رقم 2045 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
13الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (12/ 379 رقم 9086 ت صغير أحمد بن محمد حنيف)
14التاريخ الكبير (8/ 1 رقم 2276 ط دائرة المعارف العثمانية)
15الجرح والتعديل (8/ 455 ط دائرة المعارف العثمانية)
16الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (12/ 379 رقم 9087 ت صغير أحمد بن محمد حنيف)
17الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (12/ 379 رقم 9087 ت صغير أحمد بن محمد حنيف)
18مصنف ابن أبي شيبة (14/ 361 رقم 28661)
19جامع التحصيل في أحكام المراسيل (رقم 477)
20تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (ص214)
21تهذيب الكمال (18/ 488-489 ت بشار)
22فتح الباري (12/ 87 ط السلفية)
23مسند أحمد (9/ 380 رقم 5544 ط الرسالة)
24الشفاعة للوادعي (ص313)
شرح الحديث
(مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ) أي من توسط ليمنع إقامة حد شرعي بعدما وجب وبلغ من له إقامته؛ وليس المراد منع الشفاعة مطلقًا قبل وصول الحد إلى السلطان، فقد فرق أهل العلم بين الحالين (فَقَدْ ضَادَّ اللهَ) أي عارض حكمه وسعى في منع تنفيذ ما شرعه (وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ) أي تولى الخصومة أو الجدال نصرة لما يعلم أنه باطل، فلا يعذره حسن البيان ولا قوة الحجة، بل يشتد إثمه بعلمه (لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ) أي يبقى متعرضًا لغضب الله ما دام مستمرًا في نصرة الباطل حتى يتركه ويرجع عنه (وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ) أي نسب إليه كذبًا عيبًا أو جريمة أو وصفًا ليس فيه (أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ) الردغة هي الوحل والطين المجتمع، والخبال الفساد، وجاء تفسيرها في الأخبار بعصارة أهل النار وصديدهم (حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) أي حتى يتخلص من تبعة قوله، وهو وعيد شديد يدل على عظم حرمة أعراض المسلمين وخطر البهتان فيهم.
فوائد الحديث
في الحديث تحريم الشفاعة التي يراد بها إسقاط حد من حدود الله بعدما يبلغ السلطان ويثبت، لأن ذلك تعطيل لحكم الله ومحاباة في موضع لا تجوز فيه المحاباة.
وفيه أن نصرة الباطل في الخصومات من الكبائر إذا كان صاحبها يعلم بطلان ما يدافع عنه، وأن المحامي أو الوكيل أو الشفيع لا يحل له أن يجعل قدرته على الجدل وسيلة لقلب الحق باطلًا والباطل حقًا.
وفيه شدة حرمة عرض المؤمن، وأن نسبة الإنسان إلى ما ليس فيه ليست مجرد خطأ في الكلام، بل توعد الشارع عليها بعذاب شديد.
وفيه أن العالم بالباطل أشد جرمًا ممن وقع فيه عن جهل؛ لأن الحديث قيد الوعيد في الخصومة بقوله: «وهو يعلمه».
وفيه من جهة الصناعة الحديثية أن اجتماع الرفع والوقف لا يوجب دائمًا إسقاط أحدهما؛ فقد يصح الحديث مرفوعًا من طريق، ويثبت بعضه موقوفًا من طريق آخر، والعبرة بالقرائن واختلاف المخارج.
وفيه أن كلام إمام العلل لا يجوز توسيعه عما تناوله؛ فأبو حاتم حكم على طريق مَطر عن نافع بأنه خطأ، فلا ينسب إليه إعلال طريق يحيى بن راشد المستقل إلا بنص أو قرينة.
وفيه أن من نصرة منهج المتقدمين التحقيق في محل حكمهم، لا مجرد جعل كل عبارة في «العلل» سيفًا على جميع طرق الحديث؛ فإن دقة المتقدمين في التفريق بين الوجوه تستلزم منا الدقة نفسها.