تخريج حديث 1835: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ…»
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه:
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ؟. أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ثُمَّ النَّاسُ مُسْتَوُونَ.”
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه:
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ؟. أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ثُمَّ النَّاسُ مُسْتَوُونَ.”
قال ابن عساكر عقب جمع طرق الخبر: «وهذا الحديث من جميع طرقه موقوف على علي... وقد روي عن علي مرفوعًا من وجه منقطع».1 وأما خصوص زيادة «ثم الناس مستوون» فلم نقف عليها إلا من طريق طَلحة بن مُصرِّف عن علي، وهو منقطع.
رواه ابن عساكر،1 من طريق خيثمة بن سليمان، عن أبي عمرو أحمد بن الغَمر بن أبي حماد الحمصي، عن عيسى بن سليمان الشَّيزري، عن عُبيد الله بن عمرو، عن خَلَف بن حَوشب، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن طَلحة بن مُصرِّف، قال: قال علي رضي الله عنه: «ألا أخبركم بخير الناس بعد نبيكم؟ أبو بكر وعمر، ثم الناس مستوون».
وهذا الإسناد منقطع بين طَلحة بن مُصرِّف وعلي؛ فإن طلحة لم يدرك عليًا، وقد ثبت عنه نفسه أنه لما سئل عن علي قال إنه لم يدرك زمانه، كما لم يدرك عثمان.2 كما أن المزي حين ذكر شيوخ طلحة لم يذكر فيهم عليًا، وإنما ذكر من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهما.3 فزيادة «ثم الناس مستوون» لا تثبت بهذا الطريق.
وأما أصل قوله: «خير الناس بعد نبيكم أبو بكر وعمر» فمحفوظ عن علي من طرق صحيحة متعددة؛ فرواه البخاري،4 وأبو داود،5 من طريق سفيان الثوري، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي يَعلى، عن محمد ابن الحنفية، قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: «أبو بكر»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم عمر»، قلت: ثم أنت؟ قال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين». وهذا أصح ما في الباب.
ورواه أحمد،6 من طريق سفيان بن عيينة وأبي معاوية، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي جُحيفة، قال: سمعت عليًا يقول: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ولو شئت لحدثتكم بالثالث». وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أحمد،7 من طريق النضر بن شميل، عن شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، عن أبي جُحيفة، عن علي، أنه قال: «ألا أخبركم بخير الناس بعد نبيهم؟» قالوا: بلى، قال: «أبو بكر»، ثم قال: «ألا أخبركم بخير الناس بعد أبي بكر؟» قالوا: بلى، قال: «عمر»، ثم قال: «ألا أخبركم بخير الناس؟» قالوا: بلى، فسكت. وهذا طريق صحيح قوي.
ورواه أحمد،8 من طريق مالك بن مِغول، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد خير، وعن الشعبي عن أبي جُحيفة، وعن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه، عن علي رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وخيرها بعد أبي بكر عمر، ولو شئت سميت الثالث».
ورواه أحمد أيضًا،9 من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن عبد خير، قال: سمعت عليًا يقول على المنبر: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميته».
وقد وقع اختلاف على طَلحة بن مُصرِّف في أصل هذا الخبر؛ فذكر الدارقطني أن خَلَف بن حَوشب رواه عن طلحة عن الحسن بن علي، وخالفه سعيد بن مسروق فرواه عن طلحة عن عبد خير عن علي، وجاء من أوجه أخرى عن أبي جُحيفة، ثم قال الدارقطني: «والصحيح قول سعيد بن مسروق عن طلحة عن عبد خير».10 وهذا يؤكد أن الطريق المحفوظ عن طلحة إلى علي ليس قوله المباشر: «قال علي»، وإنما بواسطة عبد خير.
وأما لفظ «ثم الناس مستوون» فلم يأت في الطرق الصحيحة المشهورة عن علي؛ بل المحفوظ فيها بعد ذكر أبي بكر وعمر إما السكوت، أو قوله: «ولو شئت لسميت الثالث»، أو قوله لابنه: «ما أنا إلا رجل من المسلمين». ولذلك فهذه الزيادة لا تقوى بمطلق صحة أصل الحديث؛ إذ ثبوت أصل المتن لا يصحح كل زيادة وردت في طريق منقطع.
كما أن رواية «ولو شئت لسميت الثالث» لا توافق ظاهر «ثم الناس مستوون»؛ فإن الأولى تدل على أنه كان يرى إمكان تعيين ثالث في الفضيلة، أما الثانية فتسوّي من بعد أبي بكر وعمر. ومع كون الأولى ثابتة بأسانيد صحيحة، والثانية منفردة بطريق منقطع، فالواجب تقديم المحفوظ وطرح الزيادة غير الثابتة.
فالراجح أن قول علي رضي الله عنه في تفضيل أبي بكر ثم عمر صحيح ثابت عنه من طرق كثيرة، وأما قوله: «ثُمَّ النَّاسُ مُسْتَوُونَ» فـضعيف لا يثبت عنه؛ لانقطاع طريق طَلحة بن مُصرِّف إليه، ولعدم مجيء هذه الزيادة في الطرق الصحيحة المحفوظة، بل جاءت الألفاظ الصحيحة بما يخالف ظاهرها.
(أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ؟) أي بأفضل هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ، وقد ثبت عن علي رضي الله عنه من طرق صحيحة أنه جعل أبا بكر أول الناس بعد النبي ﷺ في الفضل (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي أبو بكر أولًا ثم عمر بعده، وقد جاء الترتيب صريحًا في صحيح البخاري حين قال محمد ابن الحنفية لأبيه: «ثم من؟» فقال: «ثم عمر».1 (ثُمَّ النَّاسُ مُسْتَوُونَ) أي على ظاهر اللفظ أن من بعد أبي بكر وعمر لا تفاضل بينهم، لكن هذه الجملة لا تثبت عن علي؛ فلا يصح بناء اعتقاد أو حكم عليها، والمحفوظ عنه بدل ذلك أنه قال: «ولو شئت لسميت الثالث» أو سكت بعد أن سئل عمن بعد عمر.