قال ابن منده: «هذا حديث صحيح مشهور عن ابن الهاد».1 وأورده الضياء في المختارة،2 وقال الألباني: «إسناده جيد، رجاله رجال الشيخين».3 وقال محققو المسند: «إسناده جيد بهذه السياقة».4 وحسنه ضياء الرحمن. 5
المصادر والمراجع
1الإيمان لابن منده (2/ 846 رقم 877 ت علي بن محمد الفقيهي)
2الأحاديث المختارة (6/ 323 رقم 2345 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
3السلسلة الصحيحة (4/ 100)
4مسند أحمد (19/ 451 رقم 12469 ط الرسالة)
5الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (1/ 643)
تخريج الحديث
رواه الدارمي،1 وأحمد،2 ومحمد بن نصر المروزي،3 والنسائي مختصرًا،4 وابن خزيمة،5 وابن منده،6 والبيهقي،7 والضياء،8 من طرق عن اللَّيث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عَمرو بن أبي عَمرو، عن أنس بن مالك، مرفوعًا. وجاء عند أحمد ومحمد بن نصر وابن منده بالسياق الطويل في الشفاعة وإخراج عصاة الموحدين من النار، واقتصر النسائي على بعضه.
ورواه أحمد من هذا الطريق مرتين؛ عن يونس بن محمد، عن اللَّيث،9 وعن أبي سلمة الخزاعي منصور بن سلمة، عن اللَّيث،10 فثبت الحديث عن اللَّيث من غير وجه.
ورواه ابن خزيمة أيضًا من طريق عبد الرحمن بن سلمان الحِجري، عن عَمرو بن أبي عَمرو، عن أنس بن مالك، بنحو السياق الطويل.11 فليس عَمرو بن أبي عَمرو معروفًا بهذا الخبر من رواية يزيد بن الهاد عنه وحده.
ومدار الحديث على عَمرو بن أبي عَمرو، واسمه ميسرة، مولى المُطَّلب بن عبد الله بن حنطب، أبو عثمان المدني. وقد اختلف فيه؛ فقال أحمد: «ليس به بأس»، وقال أبو زرعة: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «لا بأس به»، وقال ابن عدي: «لا بأس به».12 لكن قال أبو داود: «ليس هو بذاك»، وقال النسائي: «ليس بالقوي».13 وقد روى له أصحاب الكتب الستة، وروى له البخاري ومسلم عن أنس وغيره، والكلام الذي اشتد فيه عند بعض النقاد إنما ظهر خاصة في بعض رواياته، ومن أشهرها روايته عن عكرمة، وليس حديثنا منها.
والذي يظهر أن عَمرو بن أبي عَمرو صدوق مقبول الحديث، يقع له الوهم، وليس ممن ترد أحاديثه مطلقًا؛ وقد حمل هذا الحديث عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد، وهو ثقة ثبت، وحمله عنه اللَّيث بن سعد، وهو إمام، ولم ينفرد أصل معاني الحديث بهذا الطريق.
فلقوله ﷺ: «إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي» شاهد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».14
ولقوله: «وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ... وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ» شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ...» رواه الترمذي وحسنه.15
وأما قوله: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» فثابت من حديث أنس نفسه بلفظ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ».16 وثبت عنه أيضًا: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ».17
وأما بقية السياق الطويل في الشفاعة وإخراج أهل التوحيد من النار، فأصله ثابت في الصحيح من حديث أنس وغيره، وقد نبه الضياء بعد إخراجه إلى أن حديث الشفاعة قد روي في الصحيح عن أنس، «غير أن في هذا ألفاظًا ليست فيه».18 فلا ينبغي أن يجعل مجرد ثبوت أصل الشفاعة تصحيحًا لكل لفظ زائد في هذا السياق، وإنما ينظر إلى إسناده على حدة.
فإسناد حديث أنس هذا يدور على عَمرو بن أبي عَمرو، وهو مختلف فيه إلا أن الراجح قبول حديثه في الجملة، وقد وثقه أبو زرعة، وقال أحمد وأبو حاتم: «لا بأس به»، وحمل خبره هنا أئمة ثقات، وأورده ابن خزيمة والضياء، وصححه ابن منده، مع ثبوت الألفاظ الأربعة المذكورة بشواهد صحيحة مستقلة؛ فالراجح أن هذا القدر من الحديث صحيح، وأما السياق المطول فإسناده جيد، وتحتاج زياداته المفردة إلى النظر في شواهد كل لفظ منها.
المصادر والمراجع
1سنن الدارمي (1/ 198 رقم 53 ت حسين سليم أسد)
2مسند أحمد (19/ 451 رقم 12469 ط الرسالة)
3تعظيم قدر الصلاة (1/ 276 رقم 268 ت عبد الرحمن الفريوائي)
4السنن الكبرى للنسائي (7/ 136 رقم 7643 ت حسن عبد المنعم شلبي)
5التوحيد وإثبات صفات الرب (2/ 710 ت عبد العزيز الشهوان)
6الإيمان (2/ 846 رقم 877 ت علي بن محمد الفقيهي)
7شعب الإيمان (3/ 74 رقم 1409 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
8الأحاديث المختارة (6/ 323 رقم 2345 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
9مسند أحمد (19/ 451 رقم 12469 ط الرسالة)
10مسند أحمد (19/ 453 رقم 12470 ط الرسالة)
11التوحيد وإثبات صفات الرب (2/ 710 ت عبد العزيز الشهوان)
12تهذيب الكمال (22/ 169-171 ت بشار)
13تهذيب الكمال (22/ 169-171 ت بشار)
14صحيح مسلم (4/ 1782 رقم 2278 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15سنن الترمذي (6/ 13 رقم 3615 ت بشار)
16صحيح مسلم (1/ 188 رقم 196 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
17صحيح مسلم (1/ 188 رقم 197 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
18الأحاديث المختارة (6/ 325 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
شرح الحديث
(إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يكون النبي ﷺ أول من يبعث ويخرج من قبره يوم القيامة، وهذا من خصائصه وفضائله (وَلَا فَخْرَ) أي لا أذكر ذلك على جهة الكبر والتعاظم على الخلق، وإنما إخبارًا بما أكرمه الله به (وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ) أي يكون له ﷺ يوم القيامة لواء الحمد الذي يجتمع تحته الأنبياء وأتباعهم، وهو مقام تشريف عظيم (وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي مقدمهم وأفضلهم يومئذ، وسيادته ﷺ ثابتة في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة لظهور ذلك المقام للخلق كافة (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي لا تفتح الجنة لأحد قبله ﷺ، كما جاء صريحًا في الحديث الصحيح أن خازنها يقول له: «بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك».1
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (1/ 188 رقم 197 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
فوائد الحديث
في الحديث بيان جملة من خصائص النبي ﷺ يوم القيامة: أنه أول من يبعث، وصاحب لواء الحمد، وسيد الناس، وأول داخل إلى الجنة.
وفيه أن ذكر العبد فضل الله عليه لا يكون فخرًا مذمومًا إذا كان المقصود الإخبار بنعمة الله وبيان الحق، ولهذا كرر النبي ﷺ قوله: «ولا فخر».
وفيه إثبات تفاضل الأنبياء، وأن نبينا محمدًا ﷺ سيد ولد آدم وأفضلهم.
وفيه أن فضائل النبي ﷺ الثابتة لا تحتاج إلى الغلو فيه ولا إلى نسبة ما لم يصح إليه؛ فتعظيمه يكون بإثبات ما ثبت، لا بزيادة ما لم يثبت.