تخريج حديث 1837: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ…»
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ فِي طَهَارَةٍ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى.”
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ فِي طَهَارَةٍ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى.”
أورده ابن خزيمة في صحيحه،1 وابن حبان في صحيحه،2 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».3 وقال المنذري: «إسناده قريب من الحسن».4 وحسنه الألباني،5 وقال في موضع آخر: «هارون بن مسلم صدوق... ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين».6
لكن قال ابن خزيمة: «هذا حديث غريب، لم يروه غير هارون»، وترجم عليه بقوله: «باب ذكر بعض فضائل الغسل يوم الجمعة، وأن المغتسل لا يزال طاهرًا إلى الجمعة الأخرى، إن كان يحيى بن أبي كثير سمع هذا الخبر من عبد الله بن أبي قتادة».7 وقال أبو حاتم في هارون بن مسلم: «لين».8 وقال الدارقطني فيه: «صاحب الحناء، بصري صويلح يعتبر به».9 وقال في موضع آخر: «كان ضعيفًا».10 وقال الذهبي في هذا الحديث نفسه: «هذا حديث منكر».11 وقال الهيثمي: «فيه هارون بن مسلم، قال أبو حاتم: فيه لين، ووثقه الحاكم وابن حبان، وبقية رجاله ثقات».12
رواه ابن خزيمة،1 وابن حبان،2 والطبراني،3 والحاكم،4 والبيهقي،5 من طرق عن هارون بن مسلم العِجلي البصري، صاحب الحِنّاء، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي قتادة الحارث بن رِبعي الأنصاري، مرفوعًا. ولفظ ابن خزيمة وابن حبان: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَزَلْ طَاهِرًا إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى»، ولفظ الطبراني والحاكم: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ فِي طَهَارَةٍ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى».
وقد بيّن الطبراني موضع التفرد فقال: «لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا أبان، ولا عن أبان إلا هارون بن مسلم».6 وقال ابن خزيمة: «هذا حديث غريب، لم يروه غير هارون».7 فمدار الحديث بهذا اللفظ على هارون بن مسلم، وهو الذي تفرد به عن أبان.
وهارون هو ابن مسلم بن هرمز، أبو الحسين العِجلي البصري، صاحب الحِنّاء، وليس هارون بن مسلم الآخر الراوي عن قتادة الذي قال فيه أبو حاتم: «مجهول»؛ فقد فرّق أبو حاتم بينهما، فقال في صاحب الحناء: «لين»، ثم ترجم بعده لهارون بن مسلم الراوي عن قتادة فقال: «مجهول».8 وهذا مهم؛ لأن قول الذهبي في تخريج هذا الخبر: «وهارون لا يدرى من هو» فيه نظر من جهة تعيين الراوي؛ فهارون صاحب الحناء معروف الترجمة، وقد ذكره ابن حبان في الثقات،9 ووثقه الحاكم،10 إلا أن معرفة عينه لا تقتضي قبول تفرده.
وقد قال الدارقطني في هارون: «صويلح يعتبر به».11 وهذه العبارة دقيقة في مرتبته؛ فهو ممن يصلح حديثه للاعتبار والمتابعة، لا ممن يحتمل تفرده بالأفراد الغرائب، ولا سيما وقد قال فيه أبو حاتم: «لين» 12 وقال الدارقطني نفسه في موضع آخر: «كان ضعيفًا».13 ولذلك فإن تفرده بهذا المتن عن أبان مما لا يقوى على حمله وحده.
وأما تصحيح الحاكم له على شرط الشيخين ففيه وهم ظاهر؛ فإن هارون بن مسلم لم يخرج له البخاري ولا مسلم، بل لم يخرج له أصحاب الكتب الستة، ولذلك تعقبه البوصيري بقوله: «قلت: كلا، هارون بن مسلم العجلي لم يخرج له في الصحيحين ولا في أحدهما، بل ولا له رواية في شيء من الكتب الستة».14 فدعوى كونه على شرط الشيخين لا تستقيم، فضلًا عن الكلام في ضبط هارون نفسه.15
وروي الخبر من وجه آخر عن هارون نفسه، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، رواه الخطيب من طريق محمد بن الوليد القلانسي.16 لكنه لا يصلح متابعة؛ لأن مداره كذلك على هارون، وفوق ذلك قال الدارقطني في محمد بن الوليد: «ضعيف»، ونقل الخطيب عن أبي حاتم أنه «لم يكن بصدوق».17 فالوجه المحفوظ عن هارون هو روايته عن أبان بن يزيد كما رواه سُريج بن يونس ومحمد بن عبد الأعلى وغيرهما، ولا يقوى الوجه الآخر على رفع تفرده.
ويضاف إلى علة التفرد أن ابن خزيمة نفسه لم يجزم بسماع يحيى بن أبي كثير لهذا الخبر من عبد الله بن أبي قتادة؛ إذ ترجم بقوله: «إن كان يحيى بن أبي كثير سمع هذا الخبر من عبد الله بن أبي قتادة».18 فاجتمع في الخبر غرابة الطريق، وتفرد راو فيه لين، مع توقف ابن خزيمة في اتصال موضع من الإسناد.
وأما قول الذهبي: «هذا حديث منكر»19 فهو متجه من جهة تفرد هارون بهذا الخبر، وإن كان تعليله الآخر بقوله: «وهارون لا يدرى من هو» غير دقيق في تعيين هارون كما تقدم؛ فالرجل معروف، وإنما العلة في مرتبته مع هذا التفرد.
ولا يقوي الحديثَ ما صح في فضل غسل الجمعة وتكفير ما بين الجمعتين؛ لأن ذلك يشهد لأصل المعنى، لا لهذا اللفظ المفرد ولا لهذا السياق. فقد صح عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال فيمن اغتسل يوم الجمعة وأتى بآدابها: «إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى».20 فهذا يثبت فضل الغسل والتكفير بين الجمعتين، لكنه لا يثبت خصوص قوله: «كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى»، ولا قصة أمر أبي قتادة ابنه بإعادة الغسل.21
فالتفرد من راو قال فيه أبو حاتم: «لين»، وقال فيه الدارقطني: «صويلح يعتبر به»، لا يحتمل مثل هذا المتن الغريب، ولا يكفي في دفع ذلك توثيق الحاكم أو إدراج ابن حبان له في الثقات.
فالحديث مداره على هارون بن مسلم العِجلي، وقد تفرد به عن أبان بن يزيد كما نص الطبراني، ونص ابن خزيمة على غرابته وتفرد هارون به، وهارون في نفسه ليس متروكًا ولا شديد الضعف، لكنه لين الحديث عند أبي حاتم، وغاية عبارة الدارقطني فيه أنه «صويلح يعتبر به»، بل ضعفه في موضع آخر. ومثل هذا لا يحتمل تفردًا غريبًا لا يعرف من طريق الثقات، مع توقف ابن خزيمة في اتصال يحيى بن أبي كثير بعبد الله بن أبي قتادة في هذا الخبر؛ فالراجح على طريقة النقاد أن الحديث ضعيف، ولا يرتقي إلى الحسن بمجرد توثيق بعض المتأخرين له أو صحة أصل فضيلة غسل الجمعة من أحاديث أخرى.
(مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي اغتسل الغسل المشروع ليوم الجمعة (كَانَ فِي طَهَارَةٍ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى) ليس المراد -على فرض ثبوت الحديث- بقاء طهارته الحسية من الحدث أسبوعًا؛ فإن الطهارة من الحدث تنتقض بأسبابها المعروفة، وإنما المراد طهارة معنوية من الذنوب، وقد فسره ابن حبان فقال: «يريد به من الذنوب؛ لأن من حضر الجمعة بشرائطها غفر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى».1 وهذا المعنى يشهد له حديث سلمان الصحيح في مغفرة ما بين الجمعتين.2 لكن ثبوت هذا المعنى من دليل صحيح لا يصحح هذا الإسناد بعينه.