احتج به مسلم،1 وقال الترمذي :«هذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه».2
لكن انتهى الباحث أحمد النمر إلى ضعف الزيادة، بينما كتب العدوي معه: هل للحديث شواهد؟. هل استثني ما أخرجه مسلم؟.3
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (4/ 1871 رقم 2404 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن الترمذي (6/ 87)
3سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (5/ 385)
تخريج الحديث
رواه مسلم،1 والترمذي،2 والنسائي،3 وأبو عوانة،4 من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن بُكير بن مِسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد رضي الله عنه، قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه...» فذكر فضيلة المنزلة، والراية يوم خيبر، ودعاء النبي ﷺ لعلي وفاطمة والحسن والحسين. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».5
ورواه أبو عوانة أيضًا من طريق أبي بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، عن بُكير بن مِسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال معاوية لسعد: «ما منعك أن تسب أبا تراب؟».6 فتوبع حاتم بن إسماعيل على روايته عن بُكير، وثبت أن هذا اللفظ محفوظ عن بُكير بن مِسمار، عن عامر.
وبُكير بن مِسمار مختلف فيه اختلافًا يسيرًا؛ قال العجلي: «ثقة»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقال ابن عدي: «مستقيم الحديث»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: «ثقة».7 لكن قال البخاري: «في حديثه بعض النظر».8 وقد فرّق ابن حبان بين بُكير بن مِسمار أخي مهاجر المدني، وهو الثقة، وبين آخر يروي عن الزهري، وضعفه.9 وقال ابن عدي بعد نقل كلام البخاري: «لم أجد في رواياته حديثًا منكرًا... وعندي أنه مستقيم الحديث».10 وقد أخرج مسلم حديثه هذا في صحيحه، وقبله الترمذي فقال: «حسن صحيح».
وأصل الفضائل المذكورة في حديث عامر ثابت عن سعد من طرق كثيرة مستقلة؛ فروى البخاري،11 ومسلم،12 من طريق إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قول النبي ﷺ لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى». ورواه البخاري،13 ومسلم،14 من طريق الحكم بن عتيبة، عن مُصعب بن سعد، عن أبيه، وفيه استخلاف علي في غزوة تبوك وقوله ﷺ: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي».
ورواه أحمد،15 من طريق الجُعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها، في قصة خروج علي مع النبي ﷺ إلى ثنية الوداع وقوله: «تخلفني مع الخوالف؟»، فقال ﷺ: «أوما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة»، وإسناده صحيح.
ورواه أحمد،16 من طريق علي بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سعد، في قصة استخلاف علي في تبوك، وهذا الطريق ضعيف بعلي بن زيد، لكن أصل المتن صحيح من الطرق المتقدمة.
ورواه أحمد،17 من طريق عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن حَمزة بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد بنحوه، وفي إسناده جهالة حَمزة وأبيه، فلا يعتمد عليه استقلالًا، وإنما يذكر في جملة الطرق.
ورواه النسائي،18 من طريق عبد السلام بن حرب، عن موسى الصغير، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد، وفيه: «كنت جالسًا فتنقصوا علي بن أبي طالب»، ثم ذكر له ثلاث خصال. وهذا الطريق منقطع؛ لأن عبد الرحمن بن سابط لم يثبت سماعه من سعد.
وقد ذكر في «سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية» أن الباحث أحمد النمر رأى ضعف الزيادة بسبب أن عامرًا خالفه جماعة؛ إبراهيم بن سعد، ومُصعب بن سعد، وعائشة بنت سعد، وسعيد بن المسيب، وحَمزة بن عبد الله، وعبد الرحمن بن سابط، ثم كتب الشيخ مصطفى العدوي تعقيبًا على ذلك: «هل للحديث شواهد؟ هل استثني ما أخرجه مسلم؟».19
والذي يظهر أن وصف هذه الطرق بأنها «مخالفة» لعامر ليس دقيقًا؛ لأن هؤلاء لم يرووا الواقعة نفسها بسياقها الكامل ثم ينفوا قصة معاوية أو يخالفوا عامرًا فيها، وإنما روى كل واحد منهم بعض فضائل علي رضي الله عنه، وأكثرها حديث «منزلة هارون» في قصة تبوك. وعدم ذكر الراوي لقصة معاوية في رواية مستقلة لفضيلة من الفضائل ليس مخالفةً للراوي الذي حكى مناسبة أخرى وجمع فيها سعد ثلاث خصال.
بل عامر نفسه روى عن أبيه حديث «منزلة هارون» مجردًا من قصة معاوية؛ فقد رواه محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد، عن أبيه مختصرًا.20 فلا يلزم من روايته الحديث مختصرًا في مجلس أن تكون روايته المطولة في مجلس آخر وهمًا؛ إذ الراوي قد يحدث بالحديث تارة مختصرًا وتارة بسبب وروده وقصته.
ويشهد لأصل وقوع كلام في علي بحضرة سعد زمن معاوية -وإن لم يكن إسناده قائمًا بنفسه- ما رواه ابن أبي شيبة،21 وابن ماجه،22 من طريق موسى بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد، قال: «قدم معاوية في بعض حجاته... فذكروا عليًا، فنال منه، فغضب سعد»، ثم ذكر بعض فضائله. وهذا الطريق منقطع؛ لأن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من سعد، كما نبه عليه يحيى بن معين، ولذلك أعله الوادعي.23 ولكنه يصلح للاستئناس بأصل السياق، لا لإثباته استقلالًا.
وأما خصوص لفظ عامر: «ما منعك أن تسب أبا تراب؟» فقد رواه عنه بُكير بن مِسمار بإسناد متصل، وتابع حاتمَ بن إسماعيل عليه أبو بكر الحنفي، وأخرجه مسلم في صحيحه، وحكم الترمذي عليه بأنه «حسن صحيح غريب من هذا الوجه»، وقال ابن حجر: «إسناده قوي».24 فلا يظهر وجه لإعلال هذه الزيادة بمجرد عدم ذكرها في الروايات التي اقتصرت على أصل فضائل علي.
فالراجح أن الحديث صحيح، وخصوص قول معاوية لسعد: «ما منعك أن تسب أبا تراب؟» ثابت، ولا يصح الحكم عليه بالشذوذ لمجرد أن بقية الرواة عن سعد لم يذكروه؛ إذ لم تتحقق بينهم وبين عامر مخالفة حقيقية في واقعة واحدة. وأما الروايات الأخرى فغايتها أنها تثبت استقلال الفضائل الثلاث التي احتج بها سعد، وتؤكد أن أصل ما رواه عامر عنه محفوظ من وجوه متعددة.
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (4/ 1871 رقم 2404 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن الترمذي (5/ 638 رقم 3724 ت بشار)
3السنن الكبرى للنسائي (7/ 410 رقم 8342 ط الرسالة)
4المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم (18/ 471 رقم 10599 ت مجموعة من الباحثين بالجامعة الإسلامية)
5سنن الترمذي (5/ 638 رقم 3724 ت بشار)
6المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم (18/ 471 رقم 10599 ت مجموعة من الباحثين بالجامعة الإسلامية)
7تهذيب الكمال (4/ 252-253 ت بشار)
8التاريخ الكبير (2/ 115)
9الثقات لابن حبان (6/ 105-106)
10الكامل في ضعفاء الرجال (2/ 212 ت عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض)
11صحيح البخاري (5/ 19 رقم 3706 ط السلطانية)
12صحيح مسلم (4/ 1870 رقم 2404 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
13صحيح البخاري (6/ 3 رقم 4416 ط السلطانية)
14صحيح مسلم (4/ 1870 رقم 2404 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15مسند أحمد (3/ 66 رقم 1463 ط الرسالة)
16مسند أحمد (3/ 84 رقم 1490 ط الرسالة)
17مسند أحمد (3/ 109 رقم 1600 ط الرسالة)
18السنن الكبرى للنسائي (7/ 411 رقم 8343 ط الرسالة)
19سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (5/ 385)
20صحيح مسلم (4/ 1870 رقم 2404 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
21مصنف ابن أبي شيبة (17/ 101 رقم 32741 ت الشثري)
22سنن ابن ماجه (1/ 45 رقم 121 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
23أحاديث معلة ظاهرها الصحة (ص146)
24فتح الباري (7/ 92 ط السلفية)
شرح الحديث
(أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا) طلب معاوية من سعد رضي الله عنهما أمرًا، ثم ظهر من سياق الكلام أنه سأله عن سبب امتناعه عن سب علي رضي الله عنه (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟) أبو التراب كنية لعلي رضي الله عنه، وفي السؤال إنكار أو استفهام عن سبب تركه السب، والسب لعلي أو لغيره من الصحابة محرم لا يحل (أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ) امتنع سعد رضي الله عنه من سبه، واحتج بما سمعه من فضائله عن النبي ﷺ، فالمؤمن يحجزه العلم عن ظلم اللسان (لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) لو نال سعد واحدة من هذه المناقب لكانت أحب إليه من أنفس أموال العرب، وحمر النعم أنفس الإبل وأغلاها. (خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ) ترك النبي ﷺ عليًّا في المدينة نائبًا عنه في بعض خروجه للغزو (خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ!) كأن عليًّا وجد في نفسه أن يبقى ولا يخرج مع المجاهدين، فبيّن له النبي ﷺ علو منزلته (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) جعله منه في ذلك المقام كمنزلة هارون من موسى حين استخلفه في قومه، وهذه منقبة عظيمة لعلي رضي الله عنه في القرب والنصرة والاستخلاف (إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي) قطع توهم النبوة، وبيّن أن الشبه في المنزلة والاستخلاف لا في النبوة، ولا يلزم من الحديث النص على الخلافة العامة بعده، وإنما فيه فضل علي ومنزلته الخاصة. (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ) شهد النبي ﷺ لعلي بمحبة الله ورسوله، وبأن الله ورسوله يحبانه، وهذه من أعظم مناقبه (فَتَطَاوَلْنَا لَهَا) تطلع الصحابة إلى نيل الراية رغبة في هذه الشهادة العظيمة، لا لمجرد الإمارة (ادْعُوا لِي عَلِيًّا) عيّن النبي ﷺ عليًّا لها (فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ) جاء وعينه مريضة (فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ) جعل النبي ﷺ من ريقه الشريف سببًا في شفائه بإذن الله (وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) أعطاه اللواء، فكان فتح خيبر على يديه، وهذا فضل وشرف ظاهر. (وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ}) لما نزلت آية المباهلة مع نصارى نجران (دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا) خص هؤلاء الأربعة بالخروج معه في ذلك المقام العظيم (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي) أثبت لهم شرف أهل بيته وقرابتهم الخاصة منه ﷺ.