تخريج حديث 1840: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ كَلِمَةً فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ كَلِمَةً فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ.”
أصلحه أبو داود «3917».1 وصححه الألباني.2
لكن قال المنذري: «فيه رجل مجهول».3 وضعفه محققو المسند،4 وأعله ضياء الرحمن.5
رواه أبو داود،1 وأحمد،2 وابن السني،3 وأبو الشيخ،4 من طرق عن وُهيب بن خالد، عن سُهيل بن أبي صالح، عن رجل، عن أبي هريرة، مرفوعًا. وهذا هو الوجه المحفوظ عن وُهيب في رواية جماعة من أصحابه؛ فرواه موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، والعباس بن الوليد النَّرسي، وعبد الأعلى بن حماد، عنه بلفظ: «عن رجل، عن أبي هريرة».
وخالفهم من رواه عن وُهيب فقال: عن سُهيل، عن أبيه أبي صالح ذَكوان، عن أبي هريرة؛ فرواه البيهقي،5 من طريق محمد بن راشد، عن سهل -قال: أظنه ابن بَكَّار- عن وُهيب، به. ورواه أبو الشيخ من طريق ابن رُسته، عن العباس بن الوليد، ومن طريق مؤمَّل بن إسماعيل، عن وُهيب، كذلك.6 وهذه الزيادة هي التي اعتمد عليها الألباني في تصحيح الحديث، فقال إن الرجل المبهم قد سمي بأبي صالح.7
لكن رواية «عن أبيه» لا تقوى على معارضة رواية الجماعة؛ فمؤمَّل بن إسماعيل سيئ الحفظ، ورواية ابن رُسته خالفت رواية أبي يعلى الموصلي عن العباس بن الوليد نفسه؛ فقد رواه أبو يعلى عنه بلفظ «عن رجل»، وهو أثبت من ابن رُسته. وأما طريق البيهقي ففيه محمد بن راشد -وهو محمد بن محمد بن حَيَّان بن راشد- وفي حفظه ما يجعل مخالفته للأوثق محل نظر.
فمدار حديث أبي هريرة على وُهيب، عن سُهيل، والمحفوظ عنه: «عن رجل، عن أبي هريرة»، وهذا الرجل مجهول؛ ولذلك قال المنذري: «فيه رجل مجهول».8 ولا يصح تصحيح الطريق بمجرد الوجه المخالف الذي سمى المبهم؛ لأن الأكثر والأثبت على الإبهام.
وله شاهد من حديث عمرو بن عوف المزني؛ رواه ابن أبي عاصم،9 والطبراني في الكبير،10 وفي الأوسط،11 وابن السني،12 وأبو الشيخ،13 وابن عدي،14 من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: «ها خضرة»، فقال: «يا لبيك، نحن أخذنا فألك من فيك...». وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن كثير بن عبد الله إلا هارون بن عبد الله، تفرد به ابن أبي فديك».15 وقال ابن عدي في كثير: «عامة ما يرويه لا يتابع عليه».16 وقال الهيثمي: «كثير بن عبد الله ضعيف جدًا».17 فهذا الطريق لا ينهض لتقوية الحديث على طريقة أئمة النقد.
وروي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ رواه أبو الشيخ،18 من طريق حفص بن عَمّار، عن مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا بنحوه. وحفص بن عمار مجهول، بل قال الذهبي: «منكر الحديث»، ومبارك بن فضالة ضعيف ومدلس؛ فالطريق ضعيف.19
وروي من حديث سَمُرة بن جندب رضي الله عنه؛ رواه الخُلعي والعسكري، كما نقله العراقي، من طريق محمد بن يونس، عن عون بن عمارة، عن السَّري بن يحيى، عن الحسن، عن سمرة، وفيه قصة خيبر وقوله ﷺ: «قد أخذنا فألك من فيك».20 ورواه ابن عساكر من طريق فيه سقط بين إسماعيل بن يعقوب والسري بن يحيى.21 وهذا الطريق لا يصح؛ ففي بعض طرقه محمد بن يونس الكُديمي، وهو متهم، وعون بن عمارة ضعيف، مع الكلام المعروف في سماع الحسن من سمرة، فلا يصلح شاهدًا معتبرًا.
وثبت أصل معنى الحديث بأسانيد صحيحة؛ فقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»، قالوا: وما الفأل؟ قال: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ».22 وصح عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ، الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ».23
فالطريق المشهور عن أبي هريرة إسناده ضعيف لإبهام الراوي بين سُهيل وأبي هريرة، وتسمية هذا المبهم بأبي صالح جاءت من طرق مخالفة للأثبت عن وُهيب فلا ترجح. وأما شواهد عمرو بن عوف وابن عمر وسمرة ففيها ضعف شديد أو جهالة، فلا تنهض -على طريقة المتقدمين- لرفع هذا اللفظ بعينه إلى درجة الحسن. ولذلك فالراجح أن حديث «أخذنا فألك من فيك» مرفوع ضعيف بهذا اللفظ، وإن كان معناه صحيحًا ثابتًا بأحاديث صحيحة في إعجاب النبي ﷺ بالفأل والكلمة الحسنة.
(سَمِعَ كَلِمَةً فَأَعْجَبَتْهُ) أي سمع كلمة حسنة توافق الخير الذي يرجوه، فاستبشر بها من غير أن يجعلها سببًا مؤثرًا في المقدور (أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ) أي استبشرنا بالكلمة الحسنة التي خرجت من فمك، والفأل هو الاستبشار بالكلمة الطيبة ونحوها، وهو مخالف للطيرة؛ لأن الطيرة تحمل صاحبها على الإقدام أو الإحجام اعتمادًا على ما يتشاءم به، أما الفأل فلا يرد المسلم عن مقصده ولا يعلقه بسبب موهوم، وإنما هو حسن ظن بالله واستبشار بالخير.