تخريج حديث 1842: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ…»
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ.”
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ.”
احتج به مسلم،1 وأصلحه أبو داود،2 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر».3 وأورده ابن حبان في «صحيحه».4 وقال ابن الملقن: «صحيح».5
رواه عبد الرزاق،1 وأحمد،2 ومسلم،3 وأبو داود،4 والنسائي،5 وابن حبان،6 من طرق عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، مرفوعًا.
وأصرح طرقه طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: «أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ...» ثم ذكر النهي عن القعود على القبر، وتقصيصه، والبناء عليه.7 وقد رواه أحمد عن عبد الرزاق بهذا الإسناد، مصرحًا فيه بسماع ابن جريج من أبي الزبير، وسماع أبي الزبير من جابر.8
ورواه مسلم أولًا من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ الحديث المذكور: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ»، ثم أتبع ذلك بطريقي حجاج بن محمد وعبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج، وفيهما تصريح أبي الزبير بأنه سمع جابرًا.9 فانتفت بهذا شبهة تدليس ابن جريج وأبي الزبير في أصل الحديث.
ورواه النسائي من طريق يوسف بن سعيد، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: «أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله»، بلفظ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا، أَوْ يَجْلِسُ عَلَيْهَا أَحَدٌ».10 وهذه من أقوى طرق الحديث؛ لاشتمالها على التصريح بالسماع في موضع الإسناد الذي قد يتطرق إليه احتمال التدليس.
ورواه ابن حبان من الطريق نفسه، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: «أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله»، ولفظه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا أَوْ يُجْلَسَ عَلَيْهَا».11
ورواه عبد بن حميد من طريق حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر باللفظ الثلاثي نفسه: التجصيص، والقعود، والبناء.12 ثم قال بعده: «وقال سليمان بن موسى: وأن يكتب عليه»؛ ففصل بين أصل رواية أبي الزبير وبين زيادة سليمان بن موسى.13
وله طريق أخرى عن أبي الزبير في أصل التجصيص؛ فرواه مسلم من طريق إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيوب السختياني، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ».14 ورواه النسائي من طريق عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ».15 فهذه متابعة لأصل النهي عن التجصيص من غير طريق ابن جريج عن أبي الزبير.
واختلفت الروايات في زيادات ليست في لفظ مسلم المذكور. فرواه الترمذي من طريق محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بلفظ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ»، ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر».16
ورواه النسائي من طريق حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى وأبي الزبير، عن جابر بلفظ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَوْ يُجَصَّصَ»، ثم بيّن النسائي أن زيادة: «أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ» من رواية سليمان بن موسى.17
وسليمان بن موسى لم يسمع من جابر؛ فقد سئل يحيى بن معين عن «سليمان بن موسى عن جابر» فقال: «مرسل».18 ولهذا فزيادة «الكتابة» من طريق سليمان لا تلتحق بأصل الحديث الصحيح بمجرد اقترانه بأبي الزبير، ولا سيما أن النسائي نفسه ميز الزيادة فقال: «زاد سليمان بن موسى». وأما طرق زيادة الكتابة والوطء عن أبي الزبير نفسه فلها بحث مستقل، وليس ثبوتها لازمًا لصحة المتن الذي معنا.
وجاء الحديث من طريق الحسن، عن جابر، رواه الطبراني من طريق عدي بن الفضل، عن أشعث، عن الحسن، عن جابر، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أشعث إلا عدي بن الفضل».19 وهذه الطريق لا يحتاج إليها الحديث ولا تصلح لتقويته؛ لأن عدي بن الفضل متروك الحديث.
ورواه الطبراني أيضًا من طريق عباد بن صهيب، عن عثمان بن مقسم، عن قتادة، عن سليمان اليشكري، عن جابر، وقال: «لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عثمان بن مقسم، تفرد به عباد بن صهيب».20 وهذه طريق واهية لا تصلح للاعتبار؛ ففيها عباد بن صهيب وعثمان بن مقسم، وكلاهما شديد الضعف، فلا مدخل لهذه الطريق في تصحيح الحديث أصلًا.
فالحديث أصله يدور على أبي الزبير، عن جابر، وأصح طرقه عنه طريق ابن جريج، وقد ثبت التصريح بالسماع من ابن جريج لأبي الزبير، ومن أبي الزبير لجابر، من رواية حجاج بن محمد وعبد الرزاق، فلا مدخل لعلة التدليس في هذا الحديث. وتابع أيوبُ ابنَ جريج في أصل النهي عن تجصيص القبور.
(نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي منع من الأفعال المذكورة وأمر بالكف عنها. (أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) أي يُطلى بالجِص ويُحكم به، والتجصيص والتقصيص بمعنى متقارب، والقَصَّة هي الجِص؛ والمقصود إخراج القبر عن هيئته المعتادة إلى البناء والتزيين والتشييد. (وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) أي يُجعل نفس القبر موضعًا للجلوس، وفي ذلك امتهان لحرمة صاحبه، وقد جاء النهي عن القعود على القبور من أحاديث أخرى صحيحة أيضًا. (وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) أي تُجعل على القبر أبنية، والحديث نص في أصل المنع من البناء على القبر، وأما تفاصيل صور البناء وأحكام ما تدعو إليه ضرورة أو حاجة فباب فقهي يحتاج إلى أدلته ولا يحمل كله على هذا اللفظ بمجرده.
البناء على القبر يوجب الحديث عن ثلاثة أمور :
الأول : تجصيص القبر، وهو بناء القبر أو طليه، بالجص، وهذا اتفق الفقهاء على كراهيته، عن جابر قال: « نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه».1
الثاني : تطيين القبر، واختلف الفقهاء في تطيين القبر، فذهب الحنفية - في المختار - والحنابلة إلى جواز تطيين القبر، «سئل أحمد عن تطيين القبور. فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. ورخص في ذلك الحسن، والشافعى». 2. ودليل هذا ما رواه القاسم قال: «دخلت على عائشة، فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه رضي الله عنهما فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء».3 وقوله (العرصة الحمراء) يراد أن عليها ترابا أحمر. وقالوا لم يرد أي حديث في التطيين إنما الوارد في التجصيص.4
بينما ذهب المالكية وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية إلى كراهة تطيين القبر. جاء في مواهب الجليل : «يكره تطيين القبر أي أن يجعل عليه الطين والحجارة».5 وهؤلاء قاسوه على التجصيص وقالوا كلاهما فيه تزيين للقبر.
وإنما اختلفوا في غير ذلك، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى كراهة البناء على القبر في الجملة، غير أن المالكية أباحوا ذلك لتمييز القبر.
وسبب الخلاف هنا هو النظر إلى الحديث الذي نهى على البناء، فمن نظر إلى العلة قال إنما نهى عن ذلك للزينة والتفاخر، فإن انتفت العلة جاز.
والحق أن البناء على القبور منهي عنه للأحاديث الكثيرة. عن جابر قال:«نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه».6.
وإنما العلة ليست فقط في الزينة والمفاخرة بل في التعظيم أيضا، كما قال الإمام الشوكاني: «فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستور الرائعة، والسرج المتلألئة، وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيما لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشد وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلا قليلا».7
وهذا مما لا ينبغي الخلاف حوله، قال الشوكاني: «اعلم أنه قد اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة رضوان الله عنهم إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها، كما يأتي بيانه، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين».8
وهو قول مالك رحمه الله، قال محمد بن رشد :«كره مالك البناء على القبر، وأن يجعل عليه البلاطة المكتوبة؛ لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الطول - إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، فذلك مما لا اختلاف في كراهته». 9
• الحاصل : المشروع في المقابر هو رد تراب الحفرة إليها وجمعه عليها بهيئة التسنيم حتى ترتفع نحو شبر باعتبار الوسط، ولا يزاد على ذلك إلا ما ثبت، كوضع شيء من الحصى لا يزيد في الارتفاع، ووضع حجر عند رأس القبر علامة بشرطه ولا بأس بكتابة اسم الميت ليعرف وإبراز القبر. راجع الكتب التي في الهامش 10