تخريج حديث 1844: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ.»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ.”
أورده ابن حبان في «صحيحه»،1 وأصلح أبو داود شاهده من حديث أبي أُسيد الأنصاري فسكت عنه،2 وحسنه الألباني بمجموع طرقه وقال: «وبالجملة؛ فالحديث حسن بمجموع الطريقين».3 وقال محققو صحيح ابن حبان: «حديث حسن لغيره».4 وحسنه التليدي،5 والجديع.6
لكن قال ابن عدي في طريق أبي هريرة: «لا أعلم يرويه عن شريك غير مسلم بن خالد» ثم بيّن أن حديث شريك لا بأس به إذا رواه عنه ثقة،7 وأعل ابن القطان طريق أبي أُسيد فقال: «علته أن شدادًا وأباه أبا عمرو لا تعرف لهما حال».8
رواه ابن أبي عاصم،1 وابن حبان،2 وابن عدي،3 والبيهقي،4 من طريق الصَّلت بن مسعود الجحدري، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
ومدار هذا الطريق على مسلم بن خالد الزنجي، وقد تفرد به عن شريك بن أبي نمر؛ قال ابن عدي عقب الحديث: «لا أعلم يرويه عن شريك غير مسلم بن خالد».5 وهذه قرينة مهمة؛ لأن مسلمًا مختلف فيه، والجرح فيه قوي من جهة حفظه. قال يحيى بن معين في رواية: «ثقة»، وفي أخرى: «ليس به بأس»، وقال أبو داود: «ضعيف».6 وقال علي بن المديني: «ليس بشيء»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال أبو حاتم: «ليس بذاك القوي، منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر»، بينما قال ابن عدي: «حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به».7 وأصل قول أبي حاتم في «الجرح والتعديل».8
فطريق أبي هريرة وحده لا يحتمل التصحيح؛ لأن مسلم بن خالد كثير الوهم، وقد تفرد بهذا الخبر عن شريك، بل تشدد فيه البخاري وعلي بن المديني وأبو حاتم. لكنه ليس متروكًا متفقًا على طرح حديثه، فقد وثقه ابن معين في بعض الروايات وقبله ابن عدي، ولذلك يصلح حديثه في الجملة للاعتبار إذا وجد له أصل مستقل.
وله شاهد قريب جدًا من حديث أبي عمرو بن حِماس، رواه الدولابي والبيهقي من طريق سفيان الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن الحكم، عن أبي عمرو بن حماس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ سَرَاةُ الطَّرِيقِ»، أي وسطه.9 وهو مرسل؛ لأن أبا عمرو بن حماس تابعي، وفي الحارث بن الحكم جهالة، إلا أن الطريق مستقل عن طريق أبي هريرة، ولفظه مطابق في المعنى.
وقد وقع في «المعجم الأوسط» طريق عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن الحارث بن الحكم، عن أبي عمرو بن حماس، مع وصف أبي عمرو بأن له صحبة، لكن هذا الوجه رواه محمد بن إسحاق المسيبي عن أبيه، ولا يقاوم رواية الثوري عن ابن أبي ذئب بإسقاط ابن شهاب وإرسال الخبر؛ ولذلك فالمحفوظ في هذا الوجه الإرسال، ولا يصح إثبات صحبة أبي عمرو من هذه الطريق.
وله شاهد آخر من حديث أبي أُسيد الساعدي رضي الله عنه؛ رواه أبو داود،10 والطبراني،11 والبيهقي،12 من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن أبي اليمان الرحال، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أُسيد، عن أبيه، أن النبي ﷺ لما اختلط الرجال بالنساء في الطريق قال للنساء: «اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ».
وهذا الإسناد لا يصح منفردًا؛ لأن شداد بن أبي عمرو مجهول، وقد قال الدارقطني فيه: «لا يعرف فيمن يروي عنه الحديث»، وإن كان قال عن أبيه: «وأبوه معروف».13 وذكر ابن حبان شدادًا في الثقات، لكن لم يرو عنه إلا أبو اليمان الرحال، فلا يرتفع بذلك عن جهالة الحال عند النقاد.
وقد وقع اختلاف في هذا الإسناد نفسه؛ فالقعنبي رواه عن الدراوردي بالسند المطول: أبو اليمان، عن شداد، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، وأما إسحاق بن أبي إسرائيل فرواه عن الدراوردي، عن أبي اليمان، عن شداد، عن أبي أسيد مباشرة، وأسقط رجلين من السند، ولفظه: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ». وقد قال المزي عن رواية القعنبي: «وقد جود القعنبي إسناده»، وبيّن أن إسحاق «نقص من إسناده رجلين».14 فهذا الوجه المختصر لا يعد طريقًا مستقلًا، وإنما هو اختلاف على الدراوردي، والمحفوظ عنه الإسناد المطول.
ومع ضعف طريق أبي أُسيد، فهو مستقل عن طريق أبي هريرة من جهة الصحابي والمدار، ومعناه موافق للمرسل عن أبي عمرو بن حماس. فلدينا ثلاثة أوجه: طريق أبي هريرة وفيه مسلم بن خالد، والمرسل عن أبي عمرو وفيه جهالة الحارث بن الحكم، وطريق أبي أُسيد وفيه جهالة شداد وأبي اليمان مع اختلاف في وصله. ولا واحد منها يبلغ الصحة منفردًا، لكن ضعفها ليس من جهة كذاب أو متروك، وأصلها متقارب، والطرق مستقلة في الجملة؛ ولهذا يتقوى بعضها ببعض إلى درجة الحسن لغيره.
وفي الباب حديث أم سلمة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، وقال الزهري: «فأرى والله أعلم أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم».15 وقد استنبط ابن حجر منه صراحة: «كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت».16
وكذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا».17
وفي «صحيح البخاري» أيضًا أثر عطاء في طواف النساء، وفيه قوله: «لم يكن يخالطن»، وأن عائشة رضي الله عنها كانت «تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم».18
(لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ) أي ليس لهن أن يتعمدن مزاحمة الرجال في وسط الطريق حيث يغلب سيرهم واجتماعهم، وإنما يسرن في جوانبه حتى لا يختلطن بالرجال.