2السلسلة الضعيفة (11/ 27 رقم 5019 ط مكتبة المعارف)
تخريج الحديث
رواه الحاكم،1 من طريق الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، عن أحمد بن عمرو بن بكر السكسكي، عن أبيه، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا بالسياق المذكور، وفي آخره زيادة: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ دَعَا بِهَا فِي مَرَضِهِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً...» إلى آخر الحديث. وهذا هو الطريق الذي وقفت عليه للزيادة الخاصة بالأربعين وأجر الشهيد والمغفرة.
ومدار هذه الزيادة على عمرو بن بكر السكسكي، وهو شديد الضعف. قال ابن حبان: «يروي عن إبراهيم بن أبي عبلة وابن جريج وغيرهما من الثقات الأوابد والطامات التي لا يشك من هذا الشأن صناعته أنها معمولة أو مقلوبة، لا يحل الاحتجاج به»، وقال في النسخة التي رواها عنه: «أكثرها معمولة».2 وقال الذهبي: «واه، أحاديثه شبه موضوعة».3 فمثل هذا لا يصلح أن يحمل تفردًا في فضيلة مخصوصة بتحديد عدد أربعين مرة، والوعد بأجر الشهيد ومغفرة جميع الذنوب.
وفي اسم ابن عمرو بن بكر في إسناد «المستدرك» إشكال؛ فالنسخ المطبوعة التي وقفت عليها فيها: «أحمد بن عمرو بن بكر السكسكي»، بينما المعروف في كتب الرجال ابنٌ لعمرو اسمه إبراهيم بن عمرو بن بكر، وقد قال فيه الدارقطني: «متروك»، وقال ابن حبان: «يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة التي لا تعرف من حديث أبيه، وأبوه أيضًا لا شيء».4 ولهذا رجح بعض محققي «المستدرك» أن «أحمد» تصحيف عن «إبراهيم». وعلى كل حال، فالعلة القادحة ثابتة في الأب عمرو بن بكر نفسه، فلا يتوقف ضعف الخبر على تحرير اسم ابنه.
وروي صدر الحديث دون زيادة الأربعين من طريق أخرى؛ رواه الطبري،5 من طريق بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، مرفوعًا: «اسْمُ اللهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، وفيه سؤال سعد: «هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟» فقال ﷺ: «هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها...» ثم استدل بالآية، وليس فيه ذكر المرض ولا الأربعين ولا أجر الشهيد. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، فهو لا يقوي الزيادة المنكرة، وإنما يشهد لبعض صدر القصة.
وأما أصل فضل دعاء يونس فهو ثابت رواه أحمد،6 والترمذي،7 والنسائي،8 من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد رضي الله عنه، مرفوعًا: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ». وقد وقع اختلاف في ذكر محمد بن سعد بين إبراهيم وجده سعد، فكان يونس بن أبي إسحاق يذكره تارة ويسقطه تارة، إلا أن الرواية ثابتة في أصلها، ولها طريق آخر عن سعد.
ورواه البزار أيضًا من طريق كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، بلفظ مقارب: «فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ»، وقال البزار: «وقد روي عن سعد من وجه آخر».9 فهذا يقوي أصل فضيلة الدعاء، لكنه لا يحتوي على شيء من التحديد بأربعين مرة ولا أجر الشهيد.
فالحديث مركب من أصلين متفاوتين: أصل قوله ﷺ في فضل دعاء ذي النون ثابت صحيح، وأما السياق الذي فيه «هل أدلكم على اسم الله الأعظم» فله طرق ضعيفة تشهد لبعضه، وأما قوله: «أيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة...» فلا يثبت، وإسناده شديد الضعف، والراجح أن هذه الزيادة منكرة. وصحة أصل الدعاء لا تسوغ نسبة هذا الثواب المقيد بالأربعين إلى النبي ﷺ.
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (1/ 685 رقم 1865)
2المجروحين (2/ 1 ط دار الوعي)
3ميزان الاعتدال (3/ 248 ت علي محمد البجاوي)
4المجروحين (1/ 137 ط دار الوعي)
5تفسير الطبري (16/ 386 ط هجر)
6مسند أحمد (3/ 65 رقم 1462 ط الرسالة)
7سنن الترمذي (رقم 3505 ت بشار)
8السنن الكبرى للنسائي (9/ 243 رقم 10417 ط الرسالة)
9البحر الزخار (3/ 363 رقم 1163)
شرح الحديث
(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللهِ الْأَعْظَمِ) هذا اللفظ في هذا السياق لا يثبت بهذا الإسناد، وإن كان أصل فضل دعاء يونس ثابتًا. (الدَّعْوَةُ الَّتِي دَعَا بِهَا يُونُسُ) وهي قول الله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد ثبت أن المسلم إذا دعا الله بها كانت من أسباب إجابة دعائه. (أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللهِ عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾) أي إن نجاة يونس بسبب صدقه في توحيده وإنابته ليست معنى مقصورًا عليه، بل جعل الله النجاة للمؤمنين كذلك. (أَيُّمَا مُسْلِمٍ دَعَا بِهَا فِي مَرَضِهِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً) هذا التحديد لا يثبت عن النبي ﷺ، فلا تشرع ملازمة الأربعين على أنها سنة خاصة. (أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيدٍ... وَقَدْ غُفِرَ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ) هذا الثواب المعين من الغيب، فلا يجوز إثباته إلا بخبر ثابت، ولم يثبت هنا.