تخريج حديث 1847: «جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.”
قال مهنا: سألت أحمد ويحيى عن قول الناس: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها»، فقالا: «ليس له أصل، وهو موضوع».1 وقال أبو حاتم في الطريق الموقوف: «هذا حديث منكر، وكان ابن أخت عبد الرزاق يكذب».2 وقال ابن عدي في روايته المرفوعة: «لم أكتبه مرفوعًا إلا من هذا الشيخ، ولا أدري برفع هذا الحديث إلا من هذا الوجه، وهو معروف عن الأعمش موقوفًا».3 وقال البيهقي عقب رواية الوقف: «هذا هو المحفوظ موقوفًا».4 وقال الزركشي: «المعروف وقفه».5 وقال ابن الجوزي: «لا يصح».6 وقال السخاوي: «هو باطل مرفوعًا وموقوفًا».7 وقال الألباني: «موضوع».8
رواه ابن الأعرابي،1 وابن عدي،2 وأبو نعيم،3 والبيهقي،4 من طريق بَكّار بن أسود، عن إسماعيل بن أبان الغَنَوي الخياط، عن الأعمش، عن خَيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، مرفوعًا. وقال أبو نعيم: «غريب من حديث الأعمش عن خيثمة، لم نكتبه إلا من هذا الوجه».5 وقال ابن عدي: «لم أكتبه مرفوعًا إلا من هذا الشيخ... وهو معروف عن الأعمش موقوفًا».6
وإسماعيل بن أبان الغَنَوي الخياط هو علة هذا الطريق؛ قال البخاري: «متروك، تركه أحمد»7 وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال ابن حبان: «كان يضع الحديث على الثقات».8 وقال ابن معين: «وضع أحاديث على سفيان لم تكن»، وقال أبو داود: «كان كذابًا».9 وهو غير إسماعيل بن أبان الوراق الثقة؛ فالخياط هنا هو الغَنَوي المتروك.
ورواه القضاعي،10 من طريق زيد بن أخزم، عن ابن عائشة، عن محمد بن عبد الرحمن رجل من قريش، قال: كنت عند الأعمش، فذكر قصة الحسن بن عمارة، ثم قال الأعمش: «حدثني خيثمة عن عبد الله أن النبي ﷺ قال: جبلت القلوب...» وهذا الطريق لا يخرج الحديث من النكارة؛ ففيه محمد بن عبد الرحمن المبهم، ثم إن أحمد ويحيى بن معين أنكرا أصل الخبر، فلا تصلح هذه الحكاية لمعارضة حكمهما.11
ورواه ابن حبان موقوفًا في قصة الأعمش والحسن بن عمارة، من طريق محمد بن عبيد بن عتبة، عن بَكّار بن أسود، عن إسماعيل بن أبان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن ابن مسعود: «إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها».12 وهذا الوقف لا يثبت؛ لأن مداره كذلك على إسماعيل بن أبان الغَنَوي الخياط المتهم بالوضع.
ورواه البيهقي موقوفًا من طريق عبد الرزاق، عن معمر، في قصة ولاية الحسن بن عمارة للمظالم، وفيها أن الأعمش قال: «حدثني خيثمة عن ابن مسعود قال: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها»، ثم قال البيهقي: «هذا هو المحفوظ موقوفًا».13 ومراد البيهقي بالمحفوظ هنا مقابلة المرفوع بالموقوف، لا الحكم بصحة الموقوف من كل وجه؛ بدليل أن النقاد المتقدمين قد أنكروه أصلًا.
وروي موقوفًا أيضًا من طريق ابن أخت عبد الرزاق، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله بن مسعود، فقال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، وكان ابن أخت عبد الرزاق يكذب».14 فهذا نص صريح من إمام علل في إسقاط الطريق الموقوف نفسه.
وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ رواه الرافعي من طريق حماد بن سلمة، عن شيخ من قريش، عن الأعمش، وفيه أن الأعمش رواه عن خيثمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.15 وهذا طريق مضطرب، ففيه شيخ مبهم، وقد خالف الروايات المشهورة التي جعلته عن ابن مسعود.
فالحديث يدور مرفوعًا على طرق واهية، وأقواها شهرةً طريق إسماعيل بن أبان الغَنَوي الخياط، وهو متروك متهم بالوضع، وقد حكم أحمد ويحيى بن معين على أصل العبارة بأنها «ليس لها أصل، وهي موضوعة». وأما الوقف على ابن مسعود فقد رجحه ابن عدي والبيهقي بالنسبة إلى المرفوع، لكن ذلك لا يعني صحته؛ فقد حكم أبو حاتم على أحد أسانيده بالنكارة وبيّن كذب راويه، كما صرح السخاوي ببطلانه مرفوعًا وموقوفًا. فالراجح أن المرفوع موضوع، والموقوف لا يثبت عن ابن مسعود.
(جُبِلَتِ الْقُلُوبُ) أي خُلقت وطُبعت وفُطرت (عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا) أي إن النفس تميل غالبًا إلى من وصلها منه الخير والنفع واللطف (وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا) أي تنفر ممن يصلها منه الأذى والضرر. والمعنى في نفسه صحيح من جهة التجربة والفطرة، وقد دل القرآن على أن الإحسان سبب في انقلاب العداوة مودة، قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، لكن صحة المعنى لا تجيز نسبة هذا اللفظ إلى النبي ﷺ ولا إلى ابن مسعود ما دام الإسناد لا يثبت.