تخريج حديث 1848: «مَنْ عَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ…»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ عَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، كَانَ لَهُ ثَوَابُهَا مَا تُلِيَتْ.”
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ عَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، كَانَ لَهُ ثَوَابُهَا مَا تُلِيَتْ.”
قال الألباني :«وهذا إسناد جيد عزيز، رجاله ثقات رجال مسلم غير محمد بن الجهم».1 وحسنه ضياء الرحمن.2
لكن انتهى العدوي مع بعض الباحثين إلى ضعفه من كل طرقه. ولم يقف الباحث على المصدر المخطوطي الذي وقف عليه العلامة الألباني رحمه الله.3
رواه ابن شاذان،1 وأبو عمرو الداني،2 من طريق إسماعيل بن أبان الورَّاق، عن الرَّبيع بن بدر، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، مرفوعًا.
إسماعيل بن أبان هنا هو الورَّاق الأزدي، وهو ثقة؛ قال أحمد وأبو داود: «ثقة»، وقال البخاري: «صدوق»، وقال يحيى بن معين: «إسماعيل بن أبان الوراق ثقة».3 فلا مدخل له في علة الحديث.
لكن شيخه الرَّبيع بن بدر بن عمرو، أبو العلاء البصري المعروف بعُلَيْلة، متروك؛ قال يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال أبو داود: «ضعيف»، وقال مرة: «لا يكتب حديثه»، وقال النسائي ويعقوب بن سفيان وابن خِراش: «متروك»، وقال الجوزجاني: «واهي الحديث»، وقال أبو حاتم: «لا يشتغل به ولا بروايته، فإنه ضعيف الحديث، ذاهب الحديث»، وقال ابن عدي: «عامة رواياته عمن يروي عنه مما لا يتابعه عليه أحد».4
وشيخه أبان بن أبي عيَّاش، واسمه فيروز، أشد ضعفًا؛ قال أحمد: «متروك الحديث» وقال أيضًا: «كان منكر الحديث»، وقال يحيى بن معين: «ليس حديثه بشيء»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث... بلي بسوء الحفظ»، وقال أبو زرعة: «ترك حديثه»، وقال النسائي: «متروك الحديث» وقال: «ليس بثقة ولا يكتب حديثه».5
فالحديث من طريق أنس يجتمع فيه الرَّبيع بن بدر وأبان بن أبي عيَّاش، وكلاهما متروك شديد الضعف؛ فلا يصلح الإسناد للاعتبار فضلًا عن الاحتجاج. والحديث كذلك يوجد عند الديلمي.6
وجاء في معناه حديث مرسل عن الأوزاعي بلفظ: «مَنْ عَلِمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ كَلِمَةً مِنْ دِينِ اللهِ جَنَى اللهُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ جَنًى...» رواه الدارقطني،7 وأبو نعيم،8 والخطيب،9 عن الأوزاعي مرسلًا. وقد حكم أبو نعيم عليه بالإرسال.10 وهذا ليس لفظ حديث أنس، وهو مرسل أيضًا، فلا يصلح لتقوية هذا الإسناد الشديد الضعف.
أما الإسناد الذي قال فيه الألباني: «وهذا إسناد جيد عزيز، رجاله ثقات رجال مسلم غير محمد بن الجهم».11 فنقله عن أبي سهل القطان: «حدثنا محمد بن الجهم، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو مالك الأشجعي، عن أبيه واسمه طارق بن أشيم» ثم جعل متنه: «من علَّم آية...»؛ وهذا خطأ في النقل، فالمخطوط يبين أن نهاية هذا الإسناد وقعت في الهامش، ونصها: «قال: قال رسول الله ﷺ: بحسب أصحابي القتل»، ثم يبتدئ بعده الإسناد الآخر: «حدثنا علي بن إبراهيم أبو الحسن الواسطي، حدثنا إسماعيل بن أبان، عن الرَّبيع بن بدر، عن أبان، عن أنس»، ثم يأتي متن حديثنا.12
وقد روى ابن شاذان الحديث عن أبي سهل القطان نفسه، فقال: أخبرنا أبو سهل، حدثنا علي بن إبراهيم أبو الحسن الواسطي، حدثنا إسماعيل بن أبان، عن الرَّبيع بن بدر، عن أبان، عن أنس، فذكره.13 وهذا مطابق لما ظهر من قراءة مخطوط أبي سهل.
ويؤكد ذلك من خارج المخطوط أن حديث طارق بن أَشْيَم: «بِحَسْبِ أَصْحَابِي الْقَتْلُ» محفوظ بعينه من طريق يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن أبيه؛ رواه أحمد،14 وابن أبي شيبة،15 والبزار،16 والطبراني،17 فثبت أن هذا الإسناد هو إسناد «بحسب أصحابي القتل»، لا إسناد «من علَّم آية».
فالذي يظهر أن الألباني صحح الحديث بناء على قراءة وقع فيها اتصال إسناد الحديث السابق بمتن الحديث اللاحق، فصار الإسناد الصحيح لطارق بن أَشْيَم كأنه إسناد لهذا المتن، بينما اجتماع قراءة المخطوط مع رواية ابن شاذان عن أبي سهل نفسه، ورواية الداني، وثبوت متن «بحسب أصحابي القتل» من طريق يزيد بن هارون عن أبي مالك عن أبيه في دواوين السنة، يقطع بأن الإسنادين منفصلان. وعليه فلا يثبت هذا الحديث عن طارق بن أَشْيَم، وإنما المحفوظ أنه روي عن أنس بن مالك من طريق الرَّبيع بن بدر، عن أبان بن أبي عيَّاش، وكلاهما متروك؛ فالراجح أن الحديث مرفوع باطل.
وهذا الخطأ تابعه عليه العلامة ضياء الرحمن ولم يرجع إلى المخطوط، أما الشيخ العدوي وطلبته فلم يقفوا عليه.
(مَنْ عَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ) أي من نقل إلى غيره آية من القرآن وعلمه قراءتها أو حفظها، فالمراد التعليم لا مجرد علم الإنسان بها في نفسه، ولذلك جاء اللفظ في أصل ابن شاذان: «مَنْ عَلَّمَ» بالتشديد (كَانَ لَهُ ثَوَابُهَا مَا تُلِيَتْ) أي على مقتضى هذا الخبر يكون للمعلم نصيب من الأجر كلما استمرت تلاوة من علمه، لما كان سببًا في تعليمه. وهذا المعنى من حيث أصل فضل تعليم القرآن معنى صحيح في الجملة، لكن هذا المقدار المعين من الثواب، وهو استمرار ثواب الآية له «ما تليت»، خبر غيبي لا يجوز الجزم بنسبته إلى النبي ﷺ بهذا الإسناد الباطل.