قال ابن تيمية في إسناد حديث بُريدة: «هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة».1 وقال ابن حجر بعد ذكر طريق بُريدة وما رآه شاهدًا له: «وادعى الذهبي في الميزان أنه لا يصح بوجه من الوجوه، ولا شك أن طريق أحمد ما بها بأس، وشاهدها حديث بريدة، فالحديث حسن».2
لكن قال ابن عدي في حديث بُريدة: «وهذه القصة لا أعرفها إلا من هذا الوجه»، ثم قال في صالِح بن حَيّان: «وعامة ما يرويه غير محفوظ».3 وقال الذهبي في نفس الخبر: «هذا حديث منكر، ولم يأت به سوى صالح بن حيان القرشي هذا الضعيف».4 وقال في «الميزان» متعقبًا تصحيح ابن تيمية: «وصححه، ولم يصح بوجه».5 وقال ابن الملقن: «فيه صالح بن حيان ذكر من جرحوه».6 وقال السخاوي في سبب ورود حديث «من كذب علي»: «السبب المذكور لم يثبت إسناده».7 وقال المعلمي: «راويه عن ابن بريدة صالح بن حيان وهو ضعيف له أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى وفي كل منها ضعف».8 وحكم شعيب الأرناؤوط على طريق الطحاوي بقوله: «إسناده ضعيف».9 وضعفه الحويني.10
المصادر والمراجع
1الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص96 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2التلخيص الحبير (4/ 232 ت السيد عبد الله هاشم اليماني المدني)
3الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 81-82 ت عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض)
4سير أعلام النبلاء (7/ 374 ت شعيب الأرناؤوط)
5ميزان الاعتدال (2/ 292-293 ت علي محمد البجاوي)
6البدر المنير (9/ 206)
7فتح المغيث (1/ 262 ت عبد الكريم بن عبد الله الخضير ومحمد بن عبد الله آل فهيد)
8الأنوار الكاشفة (ص273)
9شرح مشكل الآثار (1/ 352 رقم 378 ت شعيب الأرناؤوط)
10إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث (3/ 44)
تخريج الحديث
رواه الطحاوي،1 والروياني،2 وابن عدي،3 من طرق عن زكريا بن عَدي، عن علي بن مُسهر، عن صالِح بن حَيّان، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه بُريدة بن الحُصيب، مرفوعًا بالقصة المذكورة. ووقع عند الروياني «من بني كنانة» بدل «بني ليث»، وفيه: «أن أحكم في أموالكم ونسائكم بما أرى».4
وتابع زكريا بن عَدي على روايته عن علي بن مُسهر يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، عن علي بن مُسهر به، رواه البغوي كما نقله ابن تيمية،5 فلا ينحصر التفرد في زكريا بن عَدي عن علي بن مُسهر، لكن هذه المتابعة لا تتجاوز عليًا، ويبقى مدار القصة على صالِح بن حَيّان عن ابن بُريدة. ولهذا قال الذهبي: «لم يأت به سوى صالح بن حيان القرشي هذا الضعيف».6
وصالِح بن حَيّان القرشي ضعيف عند أئمة النقد؛ قال يحيى بن معين: «ضعيف»، وقال البخاري: «فيه نظر»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه غير محفوظ».7 ولخص الذهبي حاله بقوله: «واه».8 وهذا جرح شديد، ولا سيما أن القصة الطويلة من غرائب روايته.
ورواه عبد الرزاق،9 والبيهقي،10 عن مَعمر، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، قال: جاء رجل إلى قرية من قرى الأنصار فزعم أن رسول الله ﷺ أرسله ليزوجوه امرأة بعينها، فأرسل النبي ﷺ عليًا والزبير لقتله، فوجدا الحية قد قتلته، ثم قال ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وقال البيهقي: «هذا مرسل».11 وفي الإسناد مع الإرسال رجل مبهم بين مَعمر وسعيد بن جُبير، فهو ضعيف من وجهين، ولا يصلح وحده لجبر طريق صالِح بن حَيّان.
وذكر البيهقي عقب ذلك أنه روي من وجه آخر عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن الحارث، وسمي فيه الرجل «جُدْجُد الجُندعي».12 وهذا الوجه أيضًا لا يثبت بما ينهض لتقوية أصل القصة، ولذلك لم يحكم البيهقي بصحتها، وإنما ذكرها عقب المرسل.13
وجاءت القصة كذلك من حديث صهرٍ لمحمد بن الحنفية من أصحاب النبي ﷺ؛ رواها الطبراني،14 من طريق أبي حمزة الثُّمالي ثابت بن أبي صَفِيّة، عن سالم بن أبي الجَعد، عن عبد الله بن محمد ابن الحنفية، عن صهر لهم من أسلم، وفيها أن رجلًا زعم أن النبي ﷺ أمره أن يحكم في نساء قوم بما شاء، فأمر النبي ﷺ بقتله وتحريقه، ثم قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». وقال الهيثمي: «فيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف واهي الحديث».15 فهذا الشاهد ضعيف لا ينهض لتقوية القصة.
وينبغي التنبه هنا إلى أن الطريق الصحيح المشهور عن عبد الله بن محمد ابن الحنفية إلى صهر لهم، الذي أخرجه أحمد،16 وأبو داود،17 من طريق إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجَعد، ليس فيه قصة الكاذب أصلًا، وإنما فيه قوله ﷺ: «قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ». وأما زيادة قصة الكاذب فقد جاءت عند الطبراني من طريق أبي حمزة الثُّمالي الواهي. ولذلك لا يظهر أن الطريق الصحيح عند أحمد يصلح شاهدًا للقصة نفسها، وإن كان ابن حجر قد أشار إلى «طريق أحمد» في تقويتها.18
وهذا مما يقوي نقد الذهبي؛ فطريق بُريدة يدور على صالِح بن حَيّان، وهو ضعيف وقد وصف الذهبي نفس حديثه بالنكارة، وطريق سعيد بن جُبير مرسل وفيه مبهم، والطريق الآخر عن صهر ابن الحنفية لا ترد قصته إلا من طريق أبي حمزة الثُّمالي الواهي. فليس في طرق القصة إسناد سالم يصلح أصلًا تحمل عليه بقية الطرق.
وأما قول ابن تيمية: «هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة»؛ فقد تعقبه الذهبي تعقبًا مباشرًا، وبين أن صالِح بن حَيّان هو علة الخبر، فقال بعد ذكر تصحيح شيخه: «وتم عليه الوهم في ذلك»، ثم حكم على الحديث بأنه «منكر».19 ونقد الذهبي هنا أقرب؛ لأنه متعلق بحال مدار الإسناد نفسه، وقد سبقه ابن عدي إلى استنكار أفراد صالِح بن حَيّان، ونص على أن هذه القصة لا يعرفها إلا من هذا الوجه.20
وأما تحسين ابن حجر، فمبناه على ضم الشاهد إلى حديث بُريدة، لكن بعد تفصيل الشاهد يتبين أن الرواية الصحيحة في «مسند أحمد» لا تتضمن القصة أصلًا، وأن الطريق الذي يتضمنها عند الطبراني فيه أبو حمزة الثُّمالي، وقد وصفه الهيثمي بأنه «ضعيف واهي الحديث».21 فلا يظهر أن الشاهد يرفع نكارة طريق صالِح بن حَيّان. وهذا يوافق قول السخاوي: «السبب المذكور لم يثبت إسناده».22
وأما آخر الحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فهو ثابت صحيح من غير هذه القصة؛ فقد رواه البخاري،23 ومسلم،24 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وثبت عن جماعة كثيرة من الصحابة. فلا يلزم من ضعف سبب الورود المذكور ضعف الحديث نفسه؛ فالجملة النبوية صحيحة، وإنما الضعيف هو القصة التي جعلتها سببًا لقولها.
فالراجح أن قصة الرجل الذي كذب على النبي ﷺ ليصل إلى المرأة لا تثبت بهذا السياق، وطريق بُريدة منكر، وشواهد القصة ضعيفة لا تنهض بجبره. وأما حديث الوعيد على الكذب على النبي ﷺ فهو صحيح ثابت استقلالًا، فلا يصح جعل هذه القصة سببًا ثابتًا لوروده.
المصادر والمراجع
1شرح مشكل الآثار (1/ 352 رقم 378 ت شعيب الأرناؤوط)
2مسند الروياني (1/ 75-76 رقم 34 ت أيمن علي أبو يماني)
3الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 81-82 ت عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض)
4مسند الروياني (1/ 75-76 رقم 34 ت أيمن علي أبو يماني)
5الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص95-96 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
6سير أعلام النبلاء (7/ 374 ت شعيب الأرناؤوط)
7ميزان الاعتدال (2/ 292-293 ت علي محمد البجاوي)
8سير أعلام النبلاء (7/ 373 ت شعيب الأرناؤوط)
9مصنف عبد الرزاق (11/ 261 رقم 20495 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
10دلائل النبوة (6/ 284 ت عبد المعطي قلعجي)
11دلائل النبوة (6/ 284 ت عبد المعطي قلعجي)
12دلائل النبوة (6/ 284-285 ت عبد المعطي قلعجي)
13دلائل النبوة (6/ 284-285 ت عبد المعطي قلعجي)
14المعجم الكبير (6/ 277 رقم 6215 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
15مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 150 ت حسام الدين القدسي)
16مسند أحمد (38/ 225 رقم 23154 ط الرسالة)
17سنن أبي داود (4/ 296 رقم 4986 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
18التلخيص الحبير (4/ 232 ت السيد عبد الله هاشم اليماني المدني)
19سير أعلام النبلاء (7/ 373-374 ت شعيب الأرناؤوط)
20الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 81-82 ت عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض)
21مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 150 ت حسام الدين القدسي)
22فتح المغيث (1/ 262 ت عبد الكريم بن عبد الله الخضير ومحمد بن عبد الله آل فهيد)
23صحيح البخاري (1/ 33 رقم 110 ط السلطانية)
24صحيح مسلم (1/ 10 رقم 3 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(كَانَ حَيٌّ مِنْ بَنِي لَيْثٍ) الحي الجماعة من القبيلة، والمقصود قوم كانوا قريبًا من المدينة (وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ خَطَبَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يُزَوِّجُوهُ) أي تزعم الرواية أنه استغل اسم النبي ﷺ بعد الإسلام ليصل إلى غرض شخصي كان قد عجز عنه قبل ذلك (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَسَانِي هَذِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِي أَمْوَالِكُمْ وَدِمَائِكُمْ) أي ادعى تفويضًا من النبي ﷺ لم يقع، وهذا هو الكذب عليه (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) أي على فرض ثبوت القصة كذّبه النبي ﷺ فيما نسب إليه (فَاضْرِبْ عُنُقَهُ... وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَأَحْرِقْهُ) وهذه الأحكام التفصيلية لا تثبت بهذه الرواية؛ فلا يجوز بناء حكم قتل من كذب في حديث أو تحريقه على خبر لم يصح، ولا سيما أن أحكام الدماء والعقوبات لا تثبت بالأخبار المنكرة (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي من نسب إلى النبي ﷺ عمدًا قولًا أو فعلًا لم يصدر عنه فقد تعرض لهذا الوعيد الشديد، وهذه الجملة صحيحة ثابتة استقلالًا، ولا تتوقف صحتها على ثبوت القصة السابقة.