قال النووي: «إسناده صحيح».1 وقال العراقي: «سنده صحيح».2 وقال الهيثمي: «رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح».3 وحسنه ابن حجر،4 وقال الشوكاني: «رجال إسناده رجال الصحيح».5 وصححه الألباني،6 ومحققو المسند،7 والطريفي مقيدا له بالصباح.8
لكن توقف ابن حجر عن تصحيحه بسبب الاختلاف في إسناده، فقال بعد ذكر الاختلاف بين سفيان وشعبة: «ومع هذا الاختلاف لا يتأتى الحكم بصحته»، وإن كان قد حكم على الحديث بالحسن.9 وحكم الألباني على زيادة «وإذا أمسى» بالشذوذ، مع تصحيحه أصل الحديث.10 وأما طريق أُبي بن كعب الذي فيه: «وسنة نبينا محمد» و«وإذا أمسينا مثل ذلك» فقال الهيثمي: «فيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو متروك».11
المصادر والمراجع
1الأذكار (ص113)
2المغني عن حمل الأسفار (1/ 432)
3مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 119 ت حسام الدين القدسي)
4نتائج الأفكار (2/ 401 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
5تحفة الذاكرين (ص116)
6السلسلة الصحيحة (6/ 1230 رقم 2989 ط مكتبة المعارف)
7مسند أحمد (24/ 77 رقم 15360 ط الرسالة)
8أذكار الصباح والمساء رواية ودراية (ص 65)
9نتائج الأفكار (2/ 401 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
10السلسلة الصحيحة (6/ 1230-1233 رقم 2989 ط مكتبة المعارف)
11مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 118 ت حسام الدين القدسي)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 والدارمي،2 والنسائي،3 والطبراني،4 من طرق عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهيل، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى، مرفوعًا. ولفظ أحمد: «كان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين».5 وفي رواية الطبراني: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا إذا أصبح أحدنا أن يقول...».6
ورواه أحمد،7 والنسائي،8 من طريق شعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن ذَرّ بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، مرفوعًا بنحوه.9 فوقع الاختلاف على سلمة بن كُهيل؛ رواه عنه سفيان الثوري عن عبد الله بن عبد الرحمن مباشرة، ورواه شعبة عنه بواسطة ذَرّ عن سعيد بن عبد الرحمن. وعبد الله وسعيد أخوان، وقد سأل الأثرم أحمد عنهما فقال: «كلاهما عندي حسن الحديث»، وكان يقدم سعيدًا.10
وهذا الاختلاف لا يوجب رد أصل الحديث؛ إذ يحتمل أن يكون سلمة بن كُهيل حمله على الوجهين: سمعه من عبد الله بن عبد الرحمن مباشرة، وسمعه من ذَرّ عن أخيه سعيد، وكلا الأخوين يرويه عن أبيهما.
ورواه أحمد من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهيل، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه بزيادة: «كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى».11 لكن يحيى بن سعيد القطان وغيره من أصحاب سفيان رووه عنه بذكر الصباح دون المساء، كما أن هذه الزيادة لم ترد في طريق شعبة؛ فالمحفوظ في هذا الحديث ذكر الصباح، وأما جعله ذكرًا ثابتًا للمساء بهذا الإسناد ففيه نظر.
واختلف أيضًا في بعض ألفاظ آخر الحديث؛ ففي أكثر الروايات: «وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، وجاء عند النسائي من طريق سفيان: «وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».12 والمحفوظ والأشهر «وما كان من المشركين»، وهو الموافق للفظ القرآن في وصف إبراهيم عليه السلام.
وروي الحديث من مسند أُبي بن كعب رضي الله عنه بلفظ: «وسنة نبينا محمد ﷺ» بدل «ودين نبينا محمد ﷺ»، وفي آخره: «وإذا أمسينا مثل ذلك»؛ رواه عبد الله بن أحمد،13 والطبراني.14 لكن طريق عبد الله بن أحمد شديد الضعف؛ فيه إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كُهيل، وأبوه إسماعيل، وجده يحيى، وفيهم ضعف شديد، بل إسماعيل ويحيى متروكان؛ ولذلك قال الهيثمي: «فيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو متروك».15 فلا يعارض هذا الطريق الضعيف الرواية الصحيحة عن عبد الرحمن بن أبزى بلفظ: «ودين نبينا محمد».
فالحديث محفوظ عن عبد الرحمن بن أبزى من طريقين عن سلمة بن كُهيل: طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن عبد الرحمن، وطريق شعبة عن ذَرّ عن سعيد بن عبد الرحمن، وكلا عبد الله وسعيد ابنا عبد الرحمن بن أبزى، وقد حسن أحمد حديثهما. واختلاف الطريقين محتمل للجمع، وعلى تقدير الترجيح فطريق سفيان أقوى، وهو إسناد جيد قائم بنفسه؛ لذلك فالراجح أن أصل الحديث صحيح. وأما زيادة «وإذا أمسى» فلا تثبت على الراجح، ولفظ «وسنة نبينا» إنما جاء في طريق أُبي بن كعب الواهي، والمحفوظ في الطريق الصحيح: «ودين نبينا محمد ﷺ».
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (24/ 81 رقم 15367 ط الرسالة)
2مسند الدارمي (3/ 1760 رقم 2730 ت حسين سليم أسد)
3السنن الكبرى للنسائي (9/ 5 رقم 9743 ط الرسالة)
4الدعاء للطبراني (2/ 926 رقم 294)
5مسند أحمد (24/ 81 رقم 15367 ط الرسالة)
6الدعاء للطبراني (2/ 926 رقم 294)
7مسند أحمد (24/ 77 رقم 15360 ط الرسالة)
8السنن الكبرى للنسائي (9/ 5 رقم 9745 ط الرسالة)
9مسند أحمد (24/ 77 رقم 15360 ط الرسالة)
10سؤالات الأثرم للإمام أحمد (رقم 14 ت عامر حسن صبري)
11مسند أحمد (24/ 79 رقم 15363 ط الرسالة)
12السنن الكبرى للنسائي (9/ 5 رقم 9743 ط الرسالة)
13مسند أحمد (35/ 81 رقم 21144 ط الرسالة)
14الدعاء للطبراني (رقم 293)
15مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 118 ت حسام الدين القدسي)
شرح الحديث
(أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ) أي دخلنا في صباحنا ثابتين على الدين الذي فطر الله عباده على قبوله والاستعداد له، وهو الإسلام والتوحيد، وفيه تجديد الإقرار بالدين عند ابتداء اليوم (وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ) أي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وسميت كلمة الإخلاص لأنها تقتضي إفراد الله بالعبادة ونفي الشرك عنه (وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ) أي ثابتين على ما جاء به النبي ﷺ من الاعتقاد والشرائع والهدي، ولفظ «نبينا» ملائم لكون الذكر تعليمًا للأمة كما صرحت به رواية الطبراني: «يعلمنا إذا أصبح أحدنا أن يقول» (وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ) أي على دين إبراهيم عليه السلام في توحيد الله وإخلاص العبادة له، ووصف بالأبوة لشرفه وكون النبي ﷺ والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام (حَنِيفًا مُسْلِمًا) أي مائلًا عن الشرك كله إلى التوحيد، منقادًا لله وحده (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تأكيد لبراءة إبراهيم عليه السلام من الشرك وأهله، وهو مأخوذ من وصف الله له في كتابه.
فوائد الحديث
في الحديث مشروعية افتتاح الصباح بتجديد العهد مع أصول الدين: الإسلام، والتوحيد، واتباع النبي ﷺ، والحنيفية الإبراهيمية.
وفيه أن كلمة الإخلاص هي أصل الدين، وأن الإسلام لا يقوم على مجرد الانتساب، بل على إخلاص العبادة لله واتباع رسوله ﷺ.
وفيه أن الانتساب إلى ملة إبراهيم إنما يكون بالتوحيد والبراءة من الشرك، لا بمجرد الدعوى؛ فإن الله وصفه بقوله: {حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
وفيه مشروعية هذا الذكر في الصباح، وأما تقييده بالمساء أيضًا بهذه الرواية فغير محفوظ على الراجح؛ فليس كل زيادة وقعت في بعض الطرق تُلحق بالحديث إذا خالفت الرواية الأثبت.
وفيه فائدة حديثية في التفريق بين أصل الحديث والزيادات الواقعة في بعض طرقه؛ فقد صح أصل ذكر الصباح، ولم تثبت زيادة المساء، كما أن لفظ «ودين نبينا» محفوظ في الطريق الصحيح، وأما «وسنة نبينا» فجاء من طريق شديد الضعف.
وفيه أن اختلاف الإسناد لا يوجب الاضطراب المضعف دائمًا؛ فقد يمكن الجمع بين الوجهين إذا كان الراوي قد حمل الحديث عن شيخين مختلفين، ولا سيما إذا كان كلا الطريقين معروفًا ورجاله محتملين لذلك.