قال السفاريني في لفظ: «فَرَغَ اللهُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالْأَجَلِ وَالرِّزْقِ»: «إسناده حسن».1 وصحح السيوطي اللفظ المختصر: «فُرِغَ إلى ابن آدم من أربع: الخلق، والخلق، والرزق، والأجل».2 وصححه الألباني.3
لكن قال الدارقطني في حديث: «جف القلم بالشقي والسعيد»: «تفرد به حفص بن عمر الأُبُلّي أبو إسماعيل، عن مِسعر...».4 وقال الهيثمي في اللفظ المختصر المرفوع: «فيه عيسى بن المسيب البجلي وهو ضعيف عند الجمهور، ووثقه الحاكم والدارقطني في سننه، وضعفه في غيرها».5 وقال شعيب الأرناؤوط في الموقوف من طريق عيسى بن المسيب: «فيه عيسى بن المسيب ضعيف».6
المصادر والمراجع
1شرح كتاب الشهاب (ص378)
2الجامع الصغير (رقم 5830)
3صحيح الجامع الصغير وزيادته (رقم 4200)
4أطراف الغرائب والأفراد (2/ 32)
5مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (7/ 198)
6تخريج العواصم والقواصم (6/ 254)
تخريج الحديث
رواه الديلمي،1 بلفظ: «جَرَى الْقَلَمُ بِالشَّقِيِّ وَالسَّعِيدِ، وَفُرِغَ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْخَلْقِ، وَالْخُلُقِ، وَالرِّزْقِ، وَالْأَجَلِ»، وساق ابن حجر إسناده من طريق الديلمي: عن محمد بن سليمان الواسطي، عن حفص بن عمر الأُبُلّي، عن مِسعر بن كِدام، عن المُنْبَعِث الأثرم، عن كُردوس، عن ابن مسعود، مرفوعًا.2 ونص السخاوي على أن رواية الديلمي جاءت بلفظ «جرى» بدل «جف».3 وكذلك العجلوني.4
ورواه أبو نعيم،5 والقضاعي،6 من الطريق نفسه عن حفص بن عمر، عن مِسعر، عن المُنْبَعِث الأثرم، عن كُردوس، عن ابن مسعود، مرفوعًا بلفظ: «جَفَّ الْقَلَمُ بِالشَّقِيِّ وَالسَّعِيدِ، وَفُرِغَ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْخَلْقِ، وَالْخُلُقِ، وَالْأَجَلِ، وَالرِّزْقِ».7 ورواه ابن الأعرابي من الطريق نفسه موقوفًا على ابن مسعود بلفظ: «جف القلم بالشقي والسعيد...».8
ومدار هذا اللفظ الطويل على حفص بن عمر أبي إسماعيل؛ ووقع في عدد من المصادر «الأيلي»، والمحققون يفرقون بينه وبين غيره، وقد وقع أيضًا «الأُبُلّي». وهو متروك أو قريب منه عند أئمة النقد؛ قال أبو حاتم: «كان شيخًا كذابًا»9 وقال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو داود: «ليس بشيء» وقال أيضًا: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال العقيلي: «يحدث عن الأئمة بالأباطيل»10 وقال الدارقطني: «ضعيف» وقال في موضع: «متروك». 11 وقد قال العقيلي في روايات له: «هذه كلها بواطيل»، ثم قال: «وحفص بن عمر هذا يحدث عن شعبة ومسعر ومالك بن مغول والأئمة بالأباطيل».12
وفي الطريق علة أخرى؛ فإن المُنْبَعِث الأثرم لم أقف له على ترجمة معتبرة، وكذلك لم يقف عليه محقق «الغرائب الملتقطة»، واحتمل من رسم النسخة أن يكون «أشعث الأثرم»، وهو أشعث بن سوار، وهو ضعيف؛ فلا يجزم بهذا التصحيح، وإنما يقال: الراوي على ما في الأصول «المُنْبَعِث الأثرم» مجهول الحال.13 ووقع عند الدارقطني: «أشعث الأثرم».14
وله طريق آخر أقصر من حديث ابن مسعود؛ رواه الطبراني،15 من طريق صفوان بن هُبيرة، عن عيسى بن المُسَيَّب البجلي، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن ابن مسعود، مرفوعًا: «فُرِغَ إِلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْخَلْقِ، وَالْخُلُقِ، وَالرِّزْقِ، وَالْأَجَلِ». وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن إلا عيسى بن المسيب، تفرد به صفوان بن هبيرة».16
وعيسى بن المُسَيَّب البجلي ضعيف عند أئمة النقد؛ قال يحيى بن معين: «ضعيف الحديث ليس بشيء»، وقال أبو حاتم: «محله الصدق ليس بالقوي»، وقال أبو زرعة: «شيخ ليس بالقوي»، وضعفه أبو داود والنسائي والدارقطني.17 فلا يحتمل تفرده برفع هذا الخبر.18
وقد روي هذا اللفظ نفسه عن عيسى بن المُسَيَّب موقوفًا؛ رواه الدارقطني،19 والبيهقي،20 من طريق مُعتمر بن سليمان، عن عيسى بن المُسَيَّب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن مسعود: «فُرِغَ مِنْ أَرْبَعٍ: الْخَلْقِ، وَالْخُلُقِ، وَالرِّزْقِ، وَالْأَجَلِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ...».21 ومعتمر بن سليمان أوثق من الطريق الذي تفرد برفعه عن عيسى، غير أن عيسى نفسه ضعيف.
وجاء الموقوف من طريق أقوى لا يدور على عيسى بن المُسَيَّب؛ رواه ابن حبان في «روضة العقلاء» من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن عيسى بن عبد الرحمن السُّلمي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: «أَرْبَعٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهَا: الْخَلْقُ، وَالْخُلُقُ، وَالرِّزْقُ، وَالْأَجَلُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ بِأَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ».22 وعيسى بن عبد الرحمن السُّلمي هذا ثقة، وهو غير عيسى بن المُسَيَّب البجلي الضعيف؛ فلا ينبغي الخلط بينهما. ويبقى في سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه خلاف؛ أثبته أبو حاتم، وأثبت ابن المديني له سماع شيء يسير، ونفاه آخرون، ولذلك لا نجزم بصحة هذا الموقوف من غير تحفظ، لكنه بلا ريب أقوى من طرق الرفع المتقدمة.
ورواه الطبراني أيضًا موقوفًا من طريق المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود.23 إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود، فهذا الوجه منقطع. ورواه من طريق عيسى بن المُسَيَّب، عن القاسم، عن أبيه، عن ابن مسعود موقوفًا.24 وهو الوجه المتقدم الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي.
فأما اللفظ التام: «جَرَى -أو جَفَّ- الْقَلَمُ بِالشَّقِيِّ وَالسَّعِيدِ، وَفُرِغَ مِنْ أَرْبَعٍ...» فلا يثبت مرفوعًا؛ لأنه تفرد به حفص بن عمر الأُبُلّي، وهو شديد الضعف، بل كذبه أبو حاتم، وفيه أيضًا راو مجهول هو المُنْبَعِث الأثرم. وأما جملة: «فُرِغَ إلى ابن آدم من أربع...» فرواها عيسى بن المُسَيَّب مرفوعة وموقوفة، وهو ضعيف، وجاءت موقوفة من وجه أقوى عن سفيان الثوري، عن عيسى بن عبد الرحمن السُّلمي؛ ولذلك فالوقف على ابن مسعود أقوى من الرفع على طريقة أئمة العلل، ولا يصح رفع الحديث اعتمادًا على مجرد الشواهد العامة. وأما تصحيح السيوطي والألباني وتحسين السفاريني، فيحمل على تقوية المعنى والطرق بمجموع الشواهد، لكن طرق الرفع نفسها لا تسلم من علة.
ومعنى سبق كتابة الشقاوة والسعادة والرزق والأجل ثابت بأحاديث صحيحة مستقلة؛ فقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه في حديث خلق الجنين أن الملك يؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.25 فلا نحتاج إلى تصحيح هذا الإسناد الضعيف لإثبات أصل القدر.
المصادر والمراجع
1الفردوس بمأثور الخطاب (2/ 109 رقم 2578 ت السعيد بن بسيوني زغلول)
2الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس (2/ 920 رقم 1325 ت إيروان سفيان)
3المقاصد الحسنة (ص237 رقم 368 ط الخانجي)
4كشف الخفاء (1/ 332 رقم 1071)
5تاريخ أصبهان (1/ 178-179 رقم 188 ت سيد كسروي حسن)
6مسند الشهاب (1/ 352 رقم 601 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
7مسند الشهاب (1/ 352 رقم 601 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
8معجم شيوخ ابن الأعرابي (1/ 92 رقم 138 ط ابن الجوزي)
9الجرح والتعديل (3/ 183 رقم 789 ط دائرة المعارف)
10الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 275 رقم 339 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
11تهذيب الكمال (7/ 42-45 ت بشار)
12الضعفاء الكبير (1/ 275 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
13الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس (2/ 920 رقم 1325 ت إيروان سفيان)
14أطراف الغرائب والأفراد (2/ 32)
15المعجم الأوسط (7/ 220 رقم 7325 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
16المعجم الأوسط (7/ 220 رقم 7325 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
17الجرح والتعديل (6/ 288 رقم 1600 ط دائرة المعارف)
18الجرح والتعديل (6/ 288 رقم 1600 ط دائرة المعارف)
19سنن الدارقطني (5/ 323 رقم 4390 ط الرسالة)
20السنن الكبرى (6/ 162 رقم 12250 ط دائرة المعارف)
21سنن الدارقطني (5/ 323 رقم 4390 ط الرسالة)
22روضة العقلاء (2/ 588 رقم 473 ط الهيئة العامة السورية للكتاب)
23المعجم الكبير (9/ 193 رقم 8952 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
24المعجم الكبير (9/ 193 رقم 8953 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
25صحيح مسلم (4/ 2036 رقم 2643 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(جَرَى الْقَلَمُ بِالشَّقِيِّ وَالسَّعِيدِ) أي سبق في علم الله وكتابته من يكون من أهل السعادة ومن يكون من أهل الشقاوة، وليس المراد إجبار العبد على عمله؛ بل الله سبحانه علم ما العبد عامل واختاره وكتبه، والعبد يعمل بإرادة ومشيئة أعطاه الله إياهما، ولهذا أمره ونهاه وحاسبه على اختياره. (وَفُرِغَ مِنْ أَرْبَعٍ) أي سبق تقدير هذه الأمور وكتابتها، لا أن الله تعالى فرغ منها بمعنى انقطاع تعلق قدرته وتدبيره بها (الْخَلْقِ) بفتح الخاء وسكون اللام، أي خلق الإنسان وصورته وهيئته وما يكون عليه من صفات خِلْقية (وَالْخُلُقِ) بضم الخاء واللام، أي ما جبل عليه الإنسان من الطباع والأخلاق، ولا يعني ذلك سقوط التكليف بتهذيب النفس؛ فالطبع قد يكون أصلًا، ثم يمدح العبد أو يذم بما يختاره ويكتسبه من طاعة أو معصية (وَالرِّزْقِ) أي ما قدر الله للعبد من رزقه (وَالْأَجَلِ) أي المدة التي قدر الله أن يعيشها ووقت موته. وأصل هذه المعاني ثابت في باب القدر وإن كان هذا السياق المرفوع لا يثبت.